المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود خضر Headshot

تحت القبة عسكر!

تم النشر: تم التحديث:

عند دراستي لعلم "أصول الفقه" تعلمت قاعدة تنص على أن "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا"، ولكن ليس كل ما تعارف عليه الناس يصلح ليكون قاعدة نسير عليها أبد الدهر.

"البلد محتاجة واحد عسكري".. هي جملة متعارف عليها في مجتمعنا المصري تحديدًا بين من تخطوا عمرهم الافتراضي وتفرغوا لإصدار التحليلات هنا وهناك.

هي أيضًا جملة أودت بنا إلى قاع الشعوب، بل إننا ثقبنا القاع وتخطيناه منذ زمن ليس بالقريب فأصبحت مستوياتنا اقتصاديًّا وتعليميًّا وثقافيًّا وحدة قياسها السالب.

فبعد تمكن العسكر من الدولة المصرية، لم يكتفوا بإيقاع ظلمهم على جماعة الإخوان المسلمين كفصيل سياسي فقط، ولم يكتفوا أيضا باستجداء عداء التيار الإسلامي بكامله.ولم يوقفوا بطشهم على حدود حاملي الجنسية المصرية، بل تخطوها إلى الشعوب الأخرى في بادرة هي الأولى من نوعها.

فبين قتل "شيماء الصباغ" المصرية وقتل "جوليو ريجيني" يتضح لنا أنهم لا يفرقون بين مصرى وغيره فالكل أمام الظلم سواء.
أما عن الاعتقال فحدث ولا حرج، ولكنني سأكتفي فقط بذكر "علاء عبد الفتاح"، ذلك الشاب الذي ما فتئ يحارب الظلم بكافة صوره وأشكاله فأصبح ضيفًا شبه دائم على السجون.

هناك جريمة أخرى بمثابة لي الذراع للمعارضين وهي "الإخفاء القسري"لن أتحدث هنا عن أخي المهندس محمد خضر والمختفي منذ محرقة رابعة العدوية إلى الآن حتى لا يتهمنى أحد بشخصنة القضية.

لن أتحدث أيضاً عن الدكتور محمد السيد "رئيس قسم الحروق والأورام بمستشفي القنايات العام" حتى لا يكون الأمر إسلاميًّا بحتاً.

ولكنني سأتحدث عن المحامى "رأفت شحاتة" أو كما يعرفه الإعلام باسم "أشرف شحاتة" رجل أعمال منتمي سياسيًّا لحزب الدستور، يتم اختطافه من أمام مدرسته الخاصة وإخفاؤه قسريًّا حتى الآن!

عامان وزوجته الأستاذة مها مكاوي تبحث عنه، ولم تصل لشيء حتى لحظة كتابة تلك السطور، لن أتحدث عن التشريد خارج مصر للعديد من المفكرين؛ هربًا من الاعتقال أو هربًا من أحكام بالسجن السياسي، من كل هذا يتبين للناظر بعين الحقيقة الوجه الخبيث للعسكر.

هم لم ولن يكونوا أداه لتنحية الإسلاميين عن الحكم، وتسليم السلطة لحاكم من تيار آخر، بل إنهم أداة لتنحية غير العسكر عن مفاصل الدولة كاملة"وأصبح تحت كل قبة عسكر"لا أقصد هنا قباب البرلمان أو الجامعات أو الجوامع أو حتى الكنائس فالأمر يتخطى ذلك.

كل لواء أو عميد ينهي خدمته ويحال إلى التقاعد، فإنه يكافأ حسب ولائه فيتقلد منصباً إداريًّا فى إحدى شركات القطاع العام أو يكون محافظًا لمحافظة كبرى، أما إذا كان مرضيًا عنه فإن اسمه يدرج ضمن التعديل الوزاري الجديد!

جدير بالذكر هنا أن العمل بالمناصب التنفيذية بالدولة المصرية يحتاج إلى مرونة فى اتخاذ القرار وعلم بطبيعة العمل أيضاً.

هم لا يفقهون شيئاً مما سبق، ولكنهم مجموعة من كبار السن -ليس إقلالاً من كبار السن- منتفخي البطون، لا أدري أهي تراكمات للدهون أم شيئًا آخر، لا يجيدون إلا طاعة الأوامر ولا يحسنون صناعتها حتى.

وأصبحت الدولة بعد كل هذا تدار بطريقة مركزية بحتة تتمحور هذه المركزية حول القيادة العسكرية فقط ولا شيء غيرها.
لا أكون مبالغًا حينما أقول إن سبب تدهور قيمة العملة المصرية أمام مثيلتها الأميركية سببه العسكر بكم هذا الغباء من التعامل مع قضايا الأمن القومي.

فى ستينيات القرن الماضي عندما قرر العسكر ترك العمل لبناء جيش حقيقي والتفرغ للسياسة، آل بنا الوضع لنكسة لم تعرف مصر مثلها من قبل.
والآن ترك العسكر علومهم العسكرية وتفرغوا للحياة الاقتصادية، فأوحلوا أنفسهم وتشبثوا بمصر فأغرقوها وما زالوا يكافحون الموت غرقاً في الوحل.

ربما لا تنتهي مسيرتهم غرقًا، ولكنها حتماً ستتأذى بطريقة بالغة السوء من الرائحة حولهم.
يمكننا الآن أن نواجه الأمر ونحذر منه ونعمل جاهدين لإصلاح الأمر قدر الإمكان.
يمكننا أيضاً أن ندفن رؤوسنا جميعًا في الرمال آملين مرور العاصفة.
لنا خياراتنا الآن وحتما ستسائلنا الأجيال القادمة عما اقترفنا بحق وطننا الكبير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.