المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود خليفه السيد Headshot

جمهورية المنوفية الشقيقة

تم النشر: تم التحديث:

تقول الأسطورة إنه حين تعطل قطار في إحدى قرى محافظة الشرقية، خرج أهالي القرية بكل ما لذ وطاب لإطعام راكبي القطار المُعطل؛ لذلك حين تُذكر محافظة الشرقية يُذكر بعدها على سبيل التندّر والدعابة جملة "اللي عزموا القطر".

كثيراً ما كنت أسرح بخيالي المريض، وأسال نفسي ماذا لو تعطل ذلك القطار في إحدى قرى محافظة المنوفية؟!

تُرى كيف سيكون رد فعل أهلها؟ كنت أتخيل سيناريو أنهم ربما يتطوع أهالي المنوفية بدفع القطار بأنفسهم حتى يخرج من حدود المحافظة أو إيصاله إلى وجهته النهائية، أظنه سيكون حلاً أوفر لأهالي المنوفية من أن يستضيفوا راكبي القطار، كان ذلك مجرد سيناريو تخيلي لما ممكن أن يحدث بعد كل هذه الأساطير والنكات التي سمعتها عن أهالي المحافظة، والتي دائماً تتهمهم بالبخل الشديد.

ظل هذا السيناريو عالقاً في ذهني حتى خذلتني ظنوني حين استيقظت يوماً على خبر وقد انتشر على منصات التواصل الاجتماعي نصه الآتي:

"أهالي المنوفية يُفطرون 500 راكب بعد أن تعطّل قطارهم في المحافظة"، فركت عيني جيداً ربما أخطأ المحرر في ذكر اسم المحافظة، أو ربما تأثير الصيام، هل ما أراه هو حقاً؟ هل قرأت العدد صحيحاً؟ بالفعل دخلت على الخبر لأَجدَ المحتوى متطابقاً مع عنوان الخبر بتفاصيل رقم القطار وباسم القرية، أضف إلى ذلك أن أهالي القرية قدموا عرباتهم لإيصال المسافرين للقرى القريبة من المحطة، حتى الآن لا أعلم هل هذا الفعل الكريم من وازع الكرم؟ أم لدرء الشبهات عنهم بأنهم ليسوا كذلك؟ أم من وازع الخوف بأن يتم مقارنتهم بأهالي محافظة الشرقية، وأن تهمة الشح ستلتصق بهم للأبد إن لم يفعلوا كما فعل أهالي الشرقية الكرام؟ لا أعلم ولكني سأحسن الظن، وأن ما فعلوه هو من شهامة ولاد البلد "الجدعان"، وأن كرمهم كرم حاتمي، ولا يقل عن كرم أهل الشرقية.

شهادة كاتب هذا المقال مجروحة عن المنوفية وأهلها، فهي مسقط رأسه أيضاً، ولكني بحثت كثيراً في الأثر لكي أعلم من ألصق هذه التهمة بأهالي المنوفية ولماذا؟، ولماذا كل هذه النكات عن طباع أهلها؟ ولماذا كل هذا الكره غير المبرر لأهالي تلك المحافظة دون أي محافظة أخرى؟

ذاع صيت محافظة المنوفية وأهلها حتى كتبت عنها مجلة foreign affairs العالمية وطرحت إجابات لعدة أسئلة، ما سبب كل هذا التندر والنكات على أهل المحافظة؟ والأهم ما سر قوتها التي جعلت أبناءها يشغلون كل تلك المناصب في الدولة المصرية على مر العصور؟ فإن كنت لا تعلم عزيزي القارئ فقد أخرجت المنوفية حتى الآن عدد 4 رؤساء جمهورية، وعدد 6 رؤساء حكومة، و3 منهم بعد ثورة يناير المجيدة، وعدد 60 وزيراً ربما حتى الآن منهم أكثر من 10 وزراء لوزارات سيادية كالدفاع والمخابرات والداخلية، كل هؤلاء حتى تاريخ كتابة المقال فلا أدرى عزيزي القارئ ربما الأعداد مرشحة للزيادة في الفترة بين تاريخ كتابة ونشر هذا المقال!

أما على الصعيد الديني، فقد خرج منها الشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ عبد المجيد سليم، اللذان شغلا منصب شيخ الأزهر، أما أعلام تلاوة القرآن الكريم فحدث ولا حرج، فلا تندهش عزيزي القارئ، فالشيخ محمود علي البنّا، والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، والشيخ الطبلاوي، كان مسقط رأسهم محافظة المنوفية، لا أريد أن أُطيل عليك عزيزي القارئ، فأعلام المنوفية كُثر في شتى المجالات من سياسة لصحافة لفن لرياضة، ولا يتسع هذا المقال لذِكر أسمائهم جميعاً.

إذاً ثمة سر ما يكمن في هذا المكان!

أظنه عدة أسباب مركبة ساهمت في نشأة كل هؤلاء لوصولهم لتلك المناصب وتلك النجاحات في كل هذه المجالات.

أولها: التعليم، نعم عزيزي القارئ التعليم هو أهم أسرار نجاح أبناء تلك المحافظة، أراد المستعمر الإنكليزي يوماً أن يفرض سيطرته على القطر المصري عن طريق تدمير المنظومة التعليمية، التي كانت في أزهى عصورها في عهد محمد علي باشا، والخديو إسماعيل، وكأي مستعمر يريد فرض سيطرته على شعب، فلا بد من نشر الجهل، وهذا ما فعله المستعمر الإنكليزي في شتى المحافظات،

إلا أهل المنوفية الكرام وقفوا وقفة رجل واحد ضد المستعمر، وأبوا أن تُدمر المنظومة التعليمية في المحافظة، فكانت المبادرة من عبد العزيز باشا فهمي، وكل أهالي المحافظة بجمع التبرعات لبناء مدارس المساعي المشكورة التي يفخر الكاتب بأنه كان يوماً تلميذاً في تلك المدارس، ففي الوقت الذي انهارت به المنظومة التعليمية في جميع المحافظات، ازدهرت الحركة التعليمية في تلك المحافظة، رغم أنف المستعمر الإنكليزي، فكانت بمثابة طوَّق النجاة من إفساد المستعمر لها، الأمر الذي أثار غضب الإنكليز ليبدأ في نشر النكات والتندّر على أهل المنوفية الكرام، فقط لغيرة منهم، وإحساس بأنهم فشلوا في تدمير المنظومة التعليمية في تلك المحافظة.

فإن سمعت من قبل ذلك المثل الذي يقول: "المنوفي لا يلوفي حتى لو أكلته لحم الكتوفي"، فاعلم أن هذا المثل صناعة إنكليزية، واعلم أنه نصفه الأول فقط صحيح، بالفعل المنوفي لا "يلوفي"، أي لا يألف أي محتل حاول يوماً ما تجهيله.

فإن كرهته يوماً ما لسبب غير مبرر كما كرهه المستعمر من قبل، فسيُوجد لك سبب حتى تكرهه بمبرر التعليم، كان سبباً رئيسياً، ولكن ليس السبب الوحيد، فلمعة عيون أبناء تلك المحافظة وجينات الطموح التي لا سقف لها هما أيضاً أسباب النجاح لديهم، فهم أشد إيماناً بنظرية حرق المراكب، فما أن تصل قواربهم إلى شواطئ العاصمة؛ إذ يقومون بحرقها حيث اللاعودة إلا بعد أن يحقق منهم أهدافه وأحلامه وطموحه، حينها فقط يفكر، فالعودة مرة أخرى، ولكنه لن يعود أبداً بنفس هيئته التي سافر عليها، سيعود بعد أن يثبت للجميع أنه قادر على صنع طريق جديد للنجاح لم يسِر أحد فيه من قبل.
فطوبى لأهل المنوفية الكرام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.