المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود خليفه السيد Headshot

ابناؤنا في الخارج

تم النشر: تم التحديث:

كان اسم البرنامج الإذاعي الذي لطالما استمعت له في أثناء فترة طفولتي، البرنامج باختصار كان مكالمات تليفونية بين المغتربين وذويهم في مصر قبل ثورة الاتصالات والإنترنت، لك أن تتخيل -عزيزي القارئ- حجم الانتهاك لخصوصيتك أنت وأهلك بأن يذاع الحديث الدائر بينكما، فجموع الشعب في أرجاء المحروسة تعلم أن محمود ابن الحج سويلم قد حصل على رسالة الماجستير وأنه قد تزوج زميلته بالجامعة وأنه سيعود بها ومولوده الجديد إلى أرض الوطن بعد الانتهاء من تحضير رسالة الدكتوراه.

مصر كلها تعرفك بالاسم وتعرف إنجازاتك وطموحاتك وخططك المستقبلية، كان ذلك في زمن الغربة الفعلية، حيث الاتصالات كانت مستحيلة وباهظة التكاليف، كان وسيلة التواصل الوحيدة بين الأهالي وذويهم بالخارج شيء يدعى "جواب بعلم الوصول" أو "شريط الكاسيت" بأن تقوم بتسجيل شريط كاسيت بصوتك ثم ترسله مع شخص ليعود لك بشريط آخر مسجل بصوت أهلك ليُطمئنوك على حالهم.

أُشفق كثيراً على من مر بهذه التجربة المريرة، هذا فقط من يستحق لقب "مغترب"، أما الآن بعد كل هذه الثورة المعلوماتية في عالم الاتصالات، أظن لقب "مغترب" خفتت حدته قليلاً، فلم يصبح بالقسوة التي كان عليها في السبعينات والثمانينات، وأظنه كان كذلك حتى نهاية التسعينات.

لاحظت كثيراً على منصات التواصل الاجتماعي كثيراً من أصدقائي المغتربين من ينعي حظه ولحظات الأسى التي يعانيها في الغربة وبُعده المادي عن أهله، أُشفق عليه نعم، ولكن ليس كشفقتي على مغترب الثمانينات والتسعينات، فالآن يستطيع بضغطة زر واحدة العيش صوتاً وصورة مع ذويه وأهله وأحبائه، حين يعود لا يستشعر أي تغيير أو حدث جلل قد فاته؛ فهو مطَّلع على كل ما هو جديد، فمصطلح الغربة في زمننا أصبح لها مفهوم أقل حدة مما كان عليه في أي وقت مضى.

دارت الأيام، وكبر ذلك المستمع لهذا البرنامج، ولم يتخيل يوماً ما أنه سيحزم حقيبته ليسافر مع الذين فعلوها مِن قبله.

المشاعر مختلطة هذه المرة فهو سعيد حزين، شعوران متضادان في آن واحد! سعيد بالطبع؛ فسيغادر وطنه الأكبر الذي لم يجد فيه بيئة خصبة ليحيا حياة كريمة أو يجد فرصة عمل جيدة، لطالما حلم بها بعد تخرجه؛ من أجل مستقبل أفضل له ولأسرته فقط، وجد نفسه يسير عكس التيار، يصارع الجميع.

وجده وطناً يفتح أبواب النجاح لفئات معينة ليس هو منهم، يسأل نفسه كثيراً: لماذا تنجح الراقصة الفلانية داخل وطنه ويذيع صيتها دون أي بلد آخر بينما يذيع صيت عالم مصري كالدكتور عصام حجي فقط حين يخرج من هذا الوطن، أي معايير نجاح يتبعها وطني؟!

حزين أيضاً؛ فسيغادر وطنه الصغير؛ حضن أمه، عطف أخيه الأكبر، حنان أخته الوسطى، صديق طفولته المقرب، شوارع بلدته الضيقة التي طُبعت على أرضيتها آثار أقدامه.

هو الآن يجلس داخل صالة السفر في انتظار الإعلان عن موعد إقلاع الطائرة المتوجهة لمجهول، ولكنه يظنه أكثر رحمة عليه من واقع أليم يعيشه هنا.

الصمت لغة الجميع في هذا المكان؛ فلا شهية لأحد بأن يكسب صديقاً جديداً أو يجتذب أطراف الحديث مع الغرباء في هذا المكان الكئيب.

الجميع منهمك في شاشة تليفونه لتوديع أحبائه عبر رسائل نصية قصيرة. فها هي تودع محبوبها عبر رسالة نصية وقد ارتسم على وجهها مشاعر مختلطة بين نصف ابتسامة خافتة وعينين لامعتين وقد احتبست قرنيّتها بعض الدموع.

وتلك فتاة أخرى قررت أن تأخذ صورة selfie لتبعث بها لحبيبها قبل سفرها؛ حتى تطمئنه بأنها على ما يرام ولكنها ليست كذلك.

وها هو يودّع محبوبته عبر اختلاس مكالمة قصيرة بصوت خفيض؛ حتى لا يسمع أحدٌ الحديث الحميم الدائر بينهما.

وهناك آخَر قرر الانهماك في كتاب جديد يقرأه فقط؛ ليشتت ذهنه عن التفكير في لحظة الوداع تلك القاسية.

وها هو الآخر فضَّل أن يظل صخب الموسيقى في أذنيه؛ ليغطي على هواجسه وقلقه وأفكاره على مرارة تلك اللحظات.

الجميع في حاله من الشجن عدا تلك الطفلة التي تلهو في الممرات بيننا، هي الوحيدة التي لا تدرك ذلك الألم الذي يعتصرنا جميعاً، هي فقط سعيدة لأنها ستركب الطائرة لأول مرة والتي لطالما أشارت إليها وهي تطير في الجو كما كنّا نفعل في طفولتنا، فهي كانت تحلم بهذا اليوم الذي ستكون فيه بداخلها وها هو حلمها يتحقق، ليتنا جميعاً نمتلك نصف سعادة هذه الطفلة، وليتنا نفقد مثلها إدراك المصير الذي ينتظرنا في هذه البلاد البعيدة.

تختلط الأنفاس في هذه الصالة الزجاجية الضيقة، فالشهيق شجن والزفير حنين لهذا الوطن.

الجميع يُمنِّي نفسه بأنه لن يغيب طويلاً وأنه سيعود مجدداً في أقرب وقت ينصلح فيه حال أوطننا، سيعود مجدداً ليُشبع عينيه من الذين أحبوه حباً صادقاً يوماً ما.

الجميع يتظاهر بالقوة والتماسك في هذا المكان، ولكنهم ليسوا كذلك، فبداخلهم طفل صغير يبكي فراق أمه في أول يوم دراسي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.