المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود خليفه السيد Headshot

قمع "الفريق الرئاسي"

تم النشر: تم التحديث:

الزمان: امتحان نهاية العام.
المكان: مختبر الكيمياء بكلية العلوم.
المطلوب: تحديد اسم المسحوق الأبيض بالتجارب المعملية هل هو ملح أم سكر سنترفيش أم سحلب أو لربما هيروين؟

الوقت يداهمني، ولَم أنجز جميع التجارب المطلوبة، ولَم أستطِع حتى الان تحديد اسم هذا المسحوق الأبيض اللعين، أرى مستقبلي يضيع أمام عيني، لم يتبقَّ من الوقت إلا القليل، هل لي أخذ جزء من المسحوق على طرف لساني؛ لعلي أتعرف عليه عن طريق طعمه؟ ولكنها مغامرة غير محسوبة المخاطر، ربما يحتوي هذا المسحوق على مادة سامة، فأتحول بعدها لشهيد المعمل، أتصبب عرقاً من جميع أنحاء جسمي، التوتر يخيم على المكان، زاد هذا التوتر عندما قالها المعيد بصوت أجش: "باقي من الزمن خمس دقائق"، وما أن تلفظ بهذه الجملة إلا وقد سقط القمع الزجاجي من يدي من هول الصدمة؛ لينزل على الأرض أشلاء متناثرة، لحظة صمت تخيم على المكان، الجميع ينظر لي نظرات شفقة وأخرى شماتة، المشاعر مختلطة في المكان، الأجواء ملتهبة.

نظر إليّ المعيد قائلاً: لقد كسرت القمع الزجاجي الوحيد لدينا، عليك أن تشتري لنا قمعاً زجاجياً بديلاً للذي كسرته، فميزانية الجامعة لا تتحمل نفقة قمع جديد، هو لا يدري أن كل ثروتي في هذه الأثناء بضعة جنيهات، هذه ميزانية يومي لتغطي تكاليف وجبة الإفطار، وربما تصوير بعض الملازم وأجرة ميكروباص العودة لمنزلنا.

يا لها من ورطة! أي تعليم هذا الذي لا يستطيع أن يتحمل مثل هذه النفقات البسيطة؟ ترى ما هي ميزانية مصر في التعليم هذا العام التي لا تكفي لشراء قمع جديد بدل هذا القمع المكسور؟

توصلت مع المعيد على اتفاق بأننا سنطبق استراتيجية "خالتي فرنسا" في فيلم اللمبي لتضمن استرجاع الدراجات في الوقت المحدد؛ إذ كانت تأخذ حذاء الأطفال رهناً لتضمن عودة الدراجة مرة أخرى في الوقت المحدد، بالطبع لن أعطيه حذائي، تفاوضت معه على أعز ما أملك في هذا الوقت -لا يذهب عقلك بعيداً عزيزي القارئ- فلم أعطِه سوى "الكارنيه الجامعي" على أن أقوم غداً بشراء قمع جديد بدل القمع المكسور؛ ليرد لي "الكارنيه" مرة أخرى.

بالفعل أعدت في اليَوم التالي القمع الزجاجي له واسترجعت الكارنيه الخاص بي، ولكن كان مكتوباً على ظهره كلمة "قمع"!

ربما استحسن المعيد هذه الفكرة وطبقها على من بعدي من الطلبة، وأصبح له مخزون من الكارنيهات مكتوب على ظهره الشيء الذي لا بد من الطالب استرجاعه بعد كسره، قرأت هذه الكلمة وضحكت، أثارت سخرية زميلي أيضاً حين رآها قائلاً: ربما يقصد المعيد أن ينعتك بهذه الصفة، ربما أنت في نظره مجرد "قمع"، ضحكنا معاً، تأملت الكلمة مرة أخرى وسألت نفسي: هل أنا "قمع"؟

نعم فأنا بالفعل في هذا النظام التعليمي كالقمع تملأه من أعلى بالمعلومات فسرعان ما يفقدها من أسفل، نظام تعليمي يعمل على الحشو لا على التفكير والإبداع، مطلوب منك أن تكون "حافظ مش فاهم"، عليك أن تصُم قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، لا تدري من أين جاءت لتتقيأ بها على ورقة إجابتك في امتحانات نهاية العام، نظام تعليمي هش، فلا الدولة تُكرس له ميزانية محترمة كما تفعل دول أخرى، ولمَ العجب فالقائمون على رأس المنظومة التعليمية يؤمنون بالمقولة الشهيرة: "ينفع التعليم في إيه مع وطن ضايع!"، قالها سيادة الرئيس مرة في إحدى مؤتمرات الشباب، واصفاً بعض الدول التي كان بها تعليم جيد وحدث بها الفوضى مؤخراً، ولم يكن بها نسبة أمية، ولم تستطِع أن تصوغ الشخصية التي تحمي البلاد من الخراب والدمار أو القتل، سألت نفسي مجدداً، وهل نظام تعليمنا الذي خرج من التصنيف العالمي مؤخراً يستطيع أن يصوغ هذه الشخصية التي تحمي وطنها، أظن الإجابة القاطعة هي "لا"، فلدينا الشخصية التي تستطيع أن تسقط بسهولة فريسة التطرف بسبب جهلها وثقافتها الضحلة، مقتنعة تمام الاقتناع بأن تفجير نفسك في كنيسة أو قتل جندي هو ما سيدخلك الجنة، وسيزوجك من الحور العين.

يوماً ما أحست الولايات المتحدة الأميركية بضعف أداء المدارس الأميركية وأن مستوى الطلبة في خطر، فخرج علينا كتاب "أمة في خطر" كأمر إلزامي لإصلاح التعليم آنذاك عام 1983 في حقبة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، أظننا اليوم في أمسّ الحاجة لهذا الكتاب، أظننا الآن لسنا "أمة في خطر" بل نحن "أمة الخطر" ذاته.


لا بد من وقفة والعمل على مشروع قومي طويل الأمد لهذا البند فقط، لتُكرس الدولة ميزانية ضخمة لتطوير النظام التعليمي والعمل على رفع المستوى الاجتماعي للمدرس، فبانصلاح هذه المنظومة ينصلح بعدها كل شيء في هذا الوطن.

لا أخفيك سراً -عزيزي القارئ- إن لم يكن البرنامج الانتخابي للنظام الحالي إحدى أولوياته التعليم، فأنا بالطبع صوتي سيكون للفريق الرئاسي، الذي إحدى أولويات برنامجه الانتخابي التعليم كخطوة أولى لسد القُمع من أسفل.


هذه حكايتي مع "القُمع" في هذا الوطن (بضم القاف)، فإن كنت دخلت ظاناً بأنها بفتح القاف "قَمع" يُمارس ضد هذا الفريق، فهذه مشكلتك أنت -عزيزي القارئ- وأنا بريء منك، عموماً "عليك واحد" وتعيش وتاخد غيرها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.