المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 محمود حسين عارف Headshot

فيصل القاسم.. حجّاج الإعلام العربي

تم النشر: تم التحديث:

"أيُّها العرب، إنّ الإعلامَ أطال الله بقاءه قد ولّاني أمْركم، وأمَرني بِإنصاف مظلومكمْ، وإمْضاء الحُكْمِ على ظالمكم، وأُخبركم أنّه حين ولّاني عليكم قلّدني بقلمين، قلم الرحمة وقلم العذاب والنَّقمة، أمّا قلمُ الرّحمة فقدْ سقَط منّي في الطريق فأضعْته، وأمّا قلمُ العذاب والنَّقمة فهذا هو، وإنّي والله قد فُتِّشْتُ عن تجربة، وجُرّبْتُ إلى الغاية القُصوى، فإنّ الإعلام أطال الله بقاءه نَفرَ كِنانته بين يديه، فعجم عيدانها، فوَجدني أمَرَّها عوداً، وأصْلبها مكسراً، فَرَماكم بي؛ لأنّكم أوْضعْتم في الظُّلم والطغيان ومصادرة الرّأي".

تلك كلمات أحسبها مقدمة تليق ببرنامج الإعلاميّ الشّهير فيصل القاسم، وأخاله يكادُ أن يؤمّ بها جماهيره، مُستعيراً منطوقها من الحجّاج، والي الأمويّين على العراق، مرسخاً مفهومها بأفعاله وبذلك الأسلوب الإعلامي المتميز الذي عزّ نظيره يستهلّ برنامجه الأسبوعي الاتّجاه المعاكس، فلطالما أصابني الشُّرود، وأنا أتابع مقدمته الرنانة الفصيحة المُكتنزة بالدّهاء وبالوعيد أحياناً؛

لأنفصل عن كلّ ما يقوله للحظات، وأستحضر ما كنا قد قرأناه في صغرنا من خطب الحجّاج في العراق، حين دخل مسجد الكوفة متجهّم الوجه، معتماً بعمامة قد غطّى بها أكثر وجهه، متقلّداً سيفه، متنكّبا قوساً يؤم المنبر ويخطب بالناس، وكأني حين أشاهد القاسم أرى حجّاجاً نزع عن نفسه الجبّة والعمامة، واستبدلهما بطقم بريطانيّ أنيق، وربطة عنق زاهية الألوان، وأرخى سيفه المثقف الحدين؛ ليستلّ عوضاً عنه قلماً ليس أقل ثقافة بل أعمق أثراً، وخلّى عنه قوسه ليستبدلها بكلمات أقتل من النبال، نازلاً عن منبر الخطيب الفصيح؛ ليجلس على طاولته ذات الشكل الأنيق المميز، لكن القاسم وبكل ما تَرك من ثياب الحجاج وأسلحته لم ينسَ أن يستبقي على بلاغته وفطنته ودهائه الأبتر، وبلمسة سريعة يعدل نظارته، وكأنه يشحذها رافعاً كفيه، ملصقاً أطراف بنانيْه ببعضها؛ ليبدأ نقاشه اللاذع، مطلقا أسئلته الحادة كما أسنّة الرماح على أحد ضيفيه،

فإن هي أصابت نقاط ضعْفه قتلت حضوره، وأطفأت زهوة حديثه، وإن هو تفاداها بإجاباته لا تكاد تجرح أو تخدش شيئاً من خُيلائه، فالقضيّة الأسبوعيّة المطروحة دائماً ما تثير الجدل، والحوارات الشّائكة المعقّدة تفرض على الجوّ العام للبرنامج أن يكون مشحوناً ومتوتراً لأبعد الحدود، وكأنه ساحة نزال.

لكن القاسم بجميع حواراته لا يقبل من ضيْفيه إلا بالإجابات الواقعيّة الصادقة، وهو متربّص دائماً بالضبابيّة منها، التي تشوّه الحقائق، وتزوّر الوقائع، فما إن يسمع من أحدهما ما لا يرضى عنه من كذب أو نفاق أو تملّقٍ وتزلّفٍ لأحد الطغاة، حتى يتراجع عن حياده قليلاً، ويتسلح بسلطة الصحافة التي هي أرفع سلطة لديه، ويجلس على عرش الحجّاج، مستعيراً منه بطشه وسطوته اللّامحدودة، مطلقاً لسانه الطويل، وكأنه سوط العقاب؛ لينهال به على الضّيف الكذّاب حتى يمزق ما عليه من أثواب النّفاق والدّجل، ويدمي كبرياءه فيمسي عارياً مفضوحاً أمام حقائق السوط الموجع،

حتى إذا أذعن وتراجع عما هو فيه من ضلال ترى القاسم وبسرعة وحرفيّة شديدتين قد استعاد ما لديه من أتيكيت الأستاذ البريطاني في المجاملة، والعفو والتّسامح، التي ورثها من أيام دراسته، مترفّعاً عن كلّ ما سبق، راسماً على وجهه ابتسامة صغيرة؛ ليفتح بها صفحة جديدة مع الضيف، مستدركاً ما كان قد توقف من النّقاش، ولكنّه وبالْتفاتة سريعة لا يلبث أن يستحضر عيون الحجّاج؛ ليرمق ضيفه بنظرات الوعيد والتربص، وكأنه يقول له: "إنّ الحزم والعزم قد سلباني سوطي، وأبدلاني به لساناً كالسيف، مقبضه في يدي، ونيجاته في عنقك، وإني والله لأحمل الشرّ بحمله، وأجزيه بمثله، وإنّي لا أعد إلّا أوفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، إني أنذر ثم لا أنظر، وأحذّر ثم لا أُعذر، وأتوعد ثم لا أعفو".

فيفهم الضيف أن لا مناص من صدق الإجابة، ولا بدّ من تحقيق الحقائق، وربما تنهّد للحظة في أعماقه، وتمنّى لو أنّ طائرته تحطّمت قبل أن تحطّ في مطار الدّوحة، فلم يطأ أرض هذا الاستوديو، ولا يكتفي حجاج الإعلام العربي المعاصر بإراقة الآراء في بهو برنامجه المكتظّ بجثث الكلمات ودقِّ رقاب الأفكار المشوبة بالظّلم والطّغيان، فلديه صفحة على موقع التّواصل الشهير فيسبوك يأتمر بأمره فيها 12 مليوناً من زبانيته،

وما إن يرى طائفياً بغيضاً أو مروجاً لأفكار الظلم والطغيان على الموقع إلّا وعمد على مشاركة تدويناته مع تعليق مبطن يشير فيه إلى بدء الحرب الإلكترونية عليه، فيكون بذلك قد حاصره في قلعته، وتتكفل الزّبانية بالباقي، وما هي إلا ساعات أو ربما دقائق إلا ويتم إغلاق حساب المتوفى إلكترونياً؛ لتبقى صفحته أرملة من بعده، وثقافته ثكلىن ومتابعوه يتامى، ولا يكتفي حجّاجنا العصري بذلك فقط، فما هي إلا دقائق حتى يطلق تدوينة ضاحكة يشمت بها بالمقتول فيسبوكياً ويشيعه بين أقرانه، مضرَّجاً بحروفه وكأنه يقول لهم:

"إنّي لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، وأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإنّي لصاحبها، وإني والله لأهْبرنّكم بقلمي هبْراً يَدعُ متابعيكم أيامى، وقرّاءكم يتامى، إن للشّيطان طيفاً، وإن للإعلام سيفاً، فمن سقمت سريرته صحّت عقوبته، ولا أعاقبكم إلّا بالقلم، فيا أيّها الظّلام ألا يتوقف الرّجل منكم وينظر في أمره، وفي حقن دماء مستقبله، ويبصر موضع نفسه، ويرتدع، فقد أقسمت أن أوُقع بكم وقعة تكون نكالاً لما قبلها، وأدباً لما بعدها".

فمَن الذي كسر حواجز الخوف لدى جماهيره، وارتعدت فرائص جبابرة الظلم من صوت صرير قلمه؟ ومَن الذي أخرج طغاة كانوا مختبئين في جحورهم باستفزازهم وتحداهم بإعلانهم موتى؟ ومَن الذي استنفر مخابرات دول بخطبه الرنانة غير حجاج القرن الواحد والعشرين سفاح اللغة القاتلة؟

وللقاسم مقالات أسبوعيّة متواصلة يدأب فيها على تحليل الأحداث السياسية، والتطرّق لمقالات أشهر الصحف العالمية، فضلاً عن أنه يطرح الجديد من الأفكار بأسلوب ساخر أحياناً، ومؤلم أحياناً أخرى، يدحض من خلالها كل زور أو كذب يعتري خطابات ساسة العالم، وكيف لا يفعل؟ فحجّاجنا فارس الصّحافة العالميّة الذي لا يشقّ له غبار، يسابق الأخبار على صهوات الصحف العربيّة تارة والغربيّة تارة أخرى، ممتطياً لغته الإنكليزية الأصيلة التي درَسها ودرّسها في إنكلترا، ويهرع إلى تعميق التصريحات، وتفنيد المكذوب منها، تلك التي تستخف بعقول الشعوب، وكيف لا يفعل؟ فالتزوير والكذب ممنوعان في أرجاء ولاية القاسم، وقد فاز من ولّاه، وما خاب مَن والاه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.