المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

ترانيم "11"

تم النشر: تم التحديث:

حاملة المفاتيح

أراك تعشق الهوى وتهيم في الفكرة الخالصة، ثم تتوقف بعد ذلك.

بل أراك وقد اخترقت منطقة استعصت من قبل على الجميع، حرّمتها على نفسي قبل أن أمنع الغير من الاقتراب منها.
ندّت عنها ضحكة شقية وقالت: بل أراك أولاً وثانياً ككتاب مفتوح أو كصدفة مستقرة بقاع بحر رائقة مياهه.
مَن أنت؟! كدت أخشاك.
لوّحت بيديها مودّعة، هامسة بعبارة زادت من غموضها: أنا حاملة المفاتيح، لا يصمد أمامي مغلق وبين يدي تتهاوى الأسرار.. فاحذرني ما استطعت، ثم تبخّرت في الهواء.

مرآة

اعتدت أن أنظر لنفسي في مرآة عثرت عليها في يوم سعد لم يتكرر، أقف أمامها دون خجل، أتفحص ملامحي وأتأمل صفحة وجهي بتجاعيده المتزايدة، وقبل كل شيء كانت مرآتي تخبرني بحقيقتي، دون زيف أو تجمّل أتحمل صدمة حديثها معي ووقع كلماتها كسياط تلهب نفسي. هي أنا الآخر الذي لا أراه والصورة الحقيقية التي تنطمر تحت ركام الحياة.

وقفت أمامها البارحة، فوجدتها تتجاهلني فلم أرَ إلا ما يراه الناس وأراه في عيونهم، بينما تاهت حقيقتي.. درت حولها مستعطفاً، مسحت زجاجها البرّاق المصقول، رجوتها وسألتها كثيراً وأنا أقف بين أيديها فوجدت صمتاً قاتلاً.

خيالات

لطالما حلُم أن يصبح "نحلة" تطير في الآفاق، تضرب بجناحيها دون قيد، ترشف من رحيق الأزهار وتصادق الطيور والشمس في عليائها، وعندما يحل المساء تنام قريرة العين غارقة في بحر من العسل المصفّى، حلم راود خياله وداعب أجفانه، في ذات اللحظة كان آخرون ينسجون خيوطهم العنكبوتية الجبارة بحثاً عن صيد يسد رمقهم.

تجاهل

تغيّر كل ما فيها كما يتغير كل شيء بفعل الزمن، قابلتها صدفة وكذا كانت مقابلاتنا دائماً، فتجاهلت العيون بعضها البعض وارتدت الوجوه أقنعة جليدية، بينما القلوب تخفق بشدة وينادي كُلّ الآخر.

موجة تفاؤل

صحوت اليوم وقد غمرتني موجة كبيرة من تفاؤل لا أعلم مصدرها ولا السبب وراءها فخرجت على عجل خشية أن يحدث ما يعكّر صفو اللحظة النادرة، قابلت جاراً عجوزاً بشوش الوجه أراه كل بضعة أيام وتبعث رؤيته مزيداً من التفاؤل والحبور فأيقنت أن اليوم من تلك الأيام النادرة التي تمر بحياتي.

دلفت إلى سيارتي الصغيرة العزيزة إلى قلبي وأدرت محركها، فسمعت طقطقة خفيفة ثم حشرجة ملحوظة وأعقب ذلك صمت تام، يبدو أن السيارة أقسمت ألا يدور محركها، سرت في أعصابي لحظة غيظ لكني كتمتها أمام موجة التفاؤل التي هطلت عليّ من رأسي لأخمص قدمي فهبطت من سيارتي وأحكمت إغلاق بابها مع أنيّ أعلم علم اليقين أنها ومن دون أبوابها الأربعة لن يقترب منها أحد.

وقفت بجوارها متأملاً الموقف ساخراً من اللحظة والمكان، مرّ بجواري العجوز في عودته باشّاً باسم الثغر مرحبّاً بي كضيف عزيز حلّ عليه بعد غياب طويل.

ولم ينسَ وهو يغيب عن ناظري أن يؤكد أن: الجو جميل اليوم وصحو على غير عادته! أمّنت على كلامه وطردت ظنوني وسرت على مهل سابحاً في بحر لجيّ من التفاؤل كغريق يطلب نجاة وعيون العجوز البشوش تلاحقني.

السيرة الذاتية للقرد "ميمون"

عاش القرد "ميمون" حياته كلها على الأشجار، لا يقترب من الأرض إلا نادراً لحاجة عاجلة يقضيها أو بحثاً عما يروي عطشه ولا يفعل هذه أو تلك إلا بعد أن يشرف على هلاك محقق.

والحق أن "ميمون" كانت تسيطر عليه مخاوف كثيرة بعضها يصل لحد الرعب فتجبره على الاستيقاظ ليلاً ليصرخ في البرية محذراً من خطر لا يراه سواه، وتطورت حالته وساءت عن ذي قبل حتى رماه أقرانه بالخبل والجنون وهي صفات أو عيوب لا تلحق بالحيوانات إلا نادراً ولم نسمع أبداً أنها أصابت أحد قرود الغابة.

عاش "ميمون" قسماً كبيراً من حياته ملتحفاً بغطاء سميك من الخوف يجنّبه الاقتراب من الأرض، ولعله كان محقاً في مخاوفه ورعبه، فالشرور والأخطار تحيط بالغابة وأشجارها.

وذات يوم أقبل على "ميمون" كبير من كبراء القردة، حكيم في قومه، عجوز طاعن في السن تتراكم الخبرات الحياتية على كتفيه فتثقلها فيئن من حملها فتجده منحنياً في سيره بطيئاً في حركته.. واسمه "أنيس".
ما لك يا "ميمون" فقد سمعت عنك ما أفزعني بشأنك؟

حالي؟ جيد كما ترى.

أحقاً؟ فما بالك لا تقترب من الأرض أبداً وتخشى منها خشيتك من الموت؟!
سمعت عن أشياء مرعبة تحدث بالأسفل فخفتها وقررت الابتعاد قدر المستطاع عن الأرض..

ضحك "أنيس" الحكيم حتى بان خواء في فمه دلالة على حكمة متأصلة مرتبطة بفقدان كثير من أسنانه وقال: خرافات فأنا أمامك وقد تجاوز عمري عمر بعض أشجار الغابة وأنزل للأرض وأسير عليها وأقضي شؤوني ولم أقابل ما ذكرت من أخطار ومخاوف، فخلّ عنك خوفك هذا وانطلق للحياة وعُبّ منها ما تشاء وحرام أن تظل حبيساً لترهات..

اضطرب فؤاد "ميمون" من كلمات الحكيم "أنيس" وألجمته الحجة فلم يعد يدري أين الحقيقة، وبعد انصراف الحكيم خلا "ميمون" بنفسه على جذع شجرة عالية تناطح السحاب، وقال لنفسه:
لمَ لا يجرّب النزول للأرض والسير عليها؟ وإلامَ يظل حبيساً لخوفه المرضي هذا؟

ومن فوره هبط سريعاً للأرض قفزاً من جزع شجرة لآخر، فرحاً مسروراً بالتخلص من عقدته، اقترب من الأرض في القفزة الأخيرة وسط حبور وفرحة غامرة لأقرانه من القردة وابتسامة فخر وسعادة ارتسمت على وجه الحكيم "أنيس".

هبط "ميمون" من على شجرته، ولكن ليس للأرض بل لمعدة تمساح جائع منذ شهور طويلة، يرقب "ميمون" في قفزاته وتراوده أحلام يقظة كثيرة عن افتراسه، انتظر كثيراً وصبر ثم ظفر.

قوقعة

كان الجو صحواً على غير عادته في مثل هذا الوقت من العام، سرت على مهل مستمتعاً بلحظة صفا فيها الطقس، سارح في ملكوت خاص صنعته لنفسي ولا أرغب في الخروج عليه فتمرّدت على فكرة التمرّد، غارقاً في قوقعة محكمة تضيق بأنفاسي.

أمتار قليلة وقابلتها، فتاة صغيرة باسمة الثغر بعينيها شقاوة طفولة وتنمّر أنثوي مبّكر، مدت يدها أو كفها الصغير وقالت: "عمو هات إيدك عشان أعدّيك الطريق، شكلك مش قادر تمشي"

أسقط في يديّ ولست أدري إن كان ذلك لدهشة من جرأة طفلة في مثل عمرها، أم إعجاباً ببراءة زهرة لم تتفتح بعد على منغّصات الحياة، أم لصدمة ألمّت بي من وقع كلماتها البسيطة كسياط ألهبت حواسي فظهر عجزي وشيخوختي أمامها بهذا الشكل؟!
* انت ساكت ليه مش بتتكلم؟ هات إيدك.!
كسرت صمتي وضحكت لقولها ثانية، وقلت: لا.. بعرف أمشي كويس أنا بس بستمتع بالجو الجميل ده..
* طيب تقدر تسبقني في الجري؟!
بنزق طفولي كامن قلت لها: موافق يلا بينا.
- فجأة اندفعت كإعصار مرّ بجواري مخلّفاً بعضاً من غبار بينما كنت ما زلت أستعد للجري فتوقفت لهزيمة مؤكدة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.