المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

ترانيم "8"

تم النشر: تم التحديث:

المصير

واسعة العينين بهما حزن دفين، تنظر إليك نظرة حالمة تأخذك لعوالم أخرى، فتشعر وكأنك تراقص النجوم، وتغمرك سعادة تكفي الأرض ومَن عليها.

كلما رأيتها خفق قلبي بشدة، واضطربت جوانحي كمراهق يقف خجلاً على أعتاب الحب، ورغم خبراتي الطويلة في الحياة ما زلت أضطرب عند رؤيتها.

ورغم شوقي إليها لم أتحدث معها أبداً، فقط نظرة رضاء صباحاً وأخرى أثناء عودتها في المساء، وبين الحالين كنت أنتظرها على أحرّ من الجمر.

وذات يوم أذكره جيداً، لم تطلع الشمس كعهدها بل توارت طويلاً وراء ركام أسود من السحب، وثارت الريح وعوت كنائحة تنعَى وليدها، انقبض قلبي بشدة وخطر ببالي أن سوءاً لحق بها، وقد صدق فؤادي وليته كذب، فقد أتاني نذير يُخبرني بذبحها.

لقد خرجت صباحاً، لكن ليس إلى الحقل لترعى كباقي جنسها من "البقر"، لكن لتمثُل بين يدي "جزار" أثيم أجهز عليها بضربة واحدة من سكينه، يقول النذير إنها لم تجفل أو ترتعد كما لم تخُر وكانت واثقة هادئة عارفة بمصير كان سيأتي حتماً.

بركان

ثار ثورة عارمة، وتحولت عيناه لما يشبه فوهتي بركان تطقّان شرراً، راح يقطع غرفة مكتبه جيئةً وذهاباً عاقداً يديه خلف ظهره ويحدثّ نفسه:
كانت في متناول يدي، وأفلتت بغباء منّي، وأقسم لو عادت ما تركتها ما دمت حياً، سأقبض عليها بكلتا يديّ وسأعصرها عصراً.

يا الله ما هذا الحظ السيئ؟! كلما راودتني فكرة جيدة تهرّب منّي في اللحظة الأخيرة أو أتوه عنها كطفل يضيع من أمه بالزحام.

سقراط

كوّاء "مكوجي" مهنة ورثها عن أبيه وجده، رأسماله قطعة من الحديد بمقبض خشبي مثلّثة الشكل لكيّ الملابس، يستخدم فيها قدمه ويديه، لإحكام سيطرته عليها لثقل وزنها.

كان "درويش" يقترب من الأرض لقصر قامته، لكنه أيضا لم يكن قزماً، يرتدي دائماً جلباباً بلدياً واسع الكمين، حريص على هندامه بشكل لافت للنظر، ويعتمر طاقية من الصوف بنيّة اللون، وينتعل "بُلغة"، يسير في خُيلاء ملحوظ، ويزيد من غموضه إصابة خفيفة بعموده الفقري تجبره على الانحناء للأمام فيبدو متواضعاً.

قليل الكلام أقرب للهمس، فإن تحدثّ تنزل كلماته برداً وسلاماً على المتشاحنين، فتطفئ نار الغضب، ولها وقع النهي والأمر على الجميع، كان "درويش" عملاقاً، تضاءلت في عيوننا جوانب ضعفه الجسدية تحت وطأة عقله الكبير.

توهج

تصبح "اللمبة" في أشد حالاتها سطوعاً وإضاءة وبهاءً في اللحظة التي تقترب فيها سريعاً من نهايتها، فيشتد ضوؤُها كما لو كانت تصرخ بأنها ستصبح بعد لحظات أثراً بعد عين.

الجنون

رميناه بالجنون، وصدّقنا فريتنا كما صدّقها هو أيضاً.. وتمادى في جنونه حتى ذهبت عقولنا معه.

محطة القطار

وجدتني على رصيف محطة قطار غريبة لم تطأها قدمي من قبل، وقفت غير قليل وبعد فترة هلّ قطار يزلزل الأرض، وأثار الغبار والفزع، ثم انشقت الأرض عن أحدهم، وجدته أمامي وقد علت وجهه ابتسامة صافية تحمل كثيراً من الودّ، وقال: هذا قطارك قد أتى بموعده ولن يقف إلاّ ثواني معدودة فلا تضيّعه.

توقف القطار فقفزت بداخله سريعاً، وقد تلقفتني أيدٍ كثيرة لمساعدتي على الصعود، جميعهم رحّبوا بي، ثم انطلق القطار ينهب الأرض نهباً.

الأرض الخلاء

أردت أن أتنسَّم هواءً نقياً فصعدت لسطح بناية عالية تقع على أطراف المدينة، مهجورة إلا من قلّة من البشر، وقفت بأعلى نقطة بها، وفردت ذراعيّ على امتدادهما مغمض العينين، مستسلماً لنسمة هواء باردة كانت تطوف المكان بميوعة.

فتحت عيني على صخب يأتي من أسفل، ونظرت فوجدت مشاجرة كبيرة، والناس تتوافد زرافات من كل اتجاه للمشاهدة أو المشاركة، وصارت معركة كبيرة بين القوم، وقد رأيت كل شيء، ترددت برهة، وقررت النزول لحسم الأمور بين الناس.
صحت بهم مخاطباً: قد رأيت كل شيء من أعلى وأدري مَن المخطئ وأدرك تداعيات الخطأ وتراكماته. وحكيت لهم ما رأيت وما أدركته حواسي، وأقسمت لهم على ذلك.

قالوا: لا نصدّقك ولا نرى إلا ما نعرف، وتصاعدت صيحاتهم مرة أخرى لعنان السماء، كُلّ يقسم بصدق روايته وصحة معتقده، فوبّخت نفسي على نزولي وتعكّر صفو بالي، فأردت الرجوع من حيث أتيت، فإذا البناية العظيمة قد تحولت لأرض خلاء على امتداد البصر.

العائد

صحت بأعلى صوتي: عاد "سعد"، رجع بعد غياب طويل فقد مرّت سنوات نسينا عددها على رحيله حتى حسبناه قد فُقد أو مات، وآن أن نسعد بعودته.

لقد انقطعت أخباره برحيله، وقد سألت بفضول وسابق علاقة صداقة ربطتني به فترة، بعض من أهله وجيرانه عنه، وإلى أين رحل؟ فكانت إجابتهم غائمة.

ترددت على كافة الأماكن التي ارتادها أو كان يأنس بأصحابها، وكانت إجابتهم واحدة: لقد أكدّ لنا أن رحيله لفترة لن تطول.

لكن مرّ على رحيله سنوات طويلة، وقد شبّ عن الطوق الصبية والأطفال، وأصابت الكهولة الشباب وذهب الشيوخ إلى حيث لا عودة، فأين هو؟! وقد طرقت كل باب أعرفه، والأحياء المجاورة فوجدت طمأنينة غريبة في عيونهم، فكلّهم يؤكدون عودته، وأن رحيله لن يدوم كثيراً، ويسهبون بحبور في الحديث عن عودته، وتغمرهم سعادة كبيرة، بينما يصمتون عن الإشارة لمكانه.

وذات يوم رأيته يُقبل من بعيد يتعثر في خطاه وقد بهتت ملامحه، أسرعت إليه، واحتضنته بشوق جارف وسألته بلهفة: "سعد" أين كنت؟ ولِمَ غيابك هكذا؟! وغمرني سرور عظيم، فصِحت بأعلى صوتي في المكان وعلى الجميع معلناً عودة "سعد"، وأن رحيله قد انتهى إلى غير رجعة.
لكن صدمني قولهم: لقد عاد وحده.. فلماذا عاد؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.