المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

ترانيم "7"

تم النشر: تم التحديث:

بريق

تعثّرت قدمي أثناء عودتي ليلاً، فاتكأت على يدي خشية الارتطام بالأرض، وقعت عيني على عملة معدنية ملقاة تحت طيات التراب، عملة صغيرة تافهة القيمة لا أعرف لماذا انحنيت عليها والتقطها ووضعتها في كف يدي، ثم مسحت عنها التراب بطرف قميصي حتى عاد إليها بريقها المعدني اللامع.

وبطفولية ونزق بداخلي قذفتها بطرف أصبعي الإبهام والسبابة اليمنى في الهواء؛ لترتفع لأعلى ثم تهبط سريعاً تحت ضوء عمود إنارة قائم بمفرده كشاهد قبر، رحلة لم تستغرق ثانية أو تزيد قليلاً من الزمن، ثم هوت فبسطت لها كف يدي اليمنى لألتقطها.

وكأن الزمن قد توقف أو تباطأ فقد رأيت العملة تهبط ببطء وتتلوى وعلى جانبيها يمر شريط حياتي أمام عيني منعكساً على وجهيها الصغيرين اللامعين، ذكريات الطفولة ونزق المراهقة وعثرات النضج وصعود مؤلم وسقوط أكثر إيلاماً.

وأخيراً سقطت في راحة يد لأرى على أحد وجهيها صورة كهل قد غزا الشيب مفرقه ووهن جسده شخص غير ما أعرف، آخر مستقل عني وإن حواه جسدي، أحكمت قبضتي عليها بقوة كأنما أخشى فراقها لكنها انزلقت بخفة غريبة من بين أصابعي؛ لتكمل طريقها داخل بالوعة صرف صحي تؤانس عمود الإنارة في وحدته.

نعيمة

"نعيمة" فتاة نحيلة الجسم، تتراكم عليها طبقات من الهموم والفقر كركام من السحب السوداء التي تخفي شمس الشتاء، لا أذكر أنها نالت قسطاً كافياً من التعليم، ربما لم تخطُ بقدميها إلى طريق مدرسة يوماً.

قيل عنها الكثير من الأراجيف فمن قائل إنها عذراء لم تتزوج أبداً بينما تناقلت بعض الألسنة حديثاً عن زواج فاشل وطلاق سريع نالته قبل مرور أسابيع على زواجها.

سمعت أحدهم يؤكد أنها قتلت زوجها وقد فشلت الشرطة في إدانتها بدليل قاطع فتركتها، وهاجرت إلينا تخقّياً عن العيون وأملاً في حياة جديدة.

ولغموض أحيط بها فقد نفر منها الناس وساورتهم هواجس غريبة بشأنها، وتلك روايات لا تؤثر في سيرتها الغريبة وما شاع عنها وما عرفناه، فقد كانت تاجرة ماهرة على ضآلة رأسمالها وقلة خبرتها بالحياة.

كانت تخرج قبيل شروق الشمس بقليل صيفاً وشتاء، بيدها سلة من الخوص مما كان يشيع قديماً بالأحياء الشعبية، تخرج فارغة كفؤاد أم موسى، وتعود بعد أذان الظهر بقليل محملة بالخيرات من الفاكهة والخضراوات الطازجة وربما في غير أوانها وموسمها، ومن عجب أنها كانت تبيع بضاعتها بثمن بخس وترضى بالقليل وتخضع في بيعها لمساومات الجارات ونسوة الحارات المجاورة، وما هي إلا دقائق معلومات إلا وتكون سلّتها قد فرغت وعادت سيرتها الأولى فتعود لبيتها راضية وتغلق عليها بابها انتظاراً فجر يوم جديد.

ورغم أن الناس جميعهم يعلمون أن أسعار الخضراوات والفاكهة التي تبيعها "نعيمة" تقل ما دون الرُبع مقارنة بأسعار الأسواق القريبة ورغم أنهم يقبلون على الشراء من البائعة النحيلة، فإنها لم تسلم يوماً من ألسنتهم الحداد فسلقوها كثيراً ونالوا من سمعتها ورموها بتهمة السرقة والاحتيال على تُجّار الخضراوات والفاكهة بالأسواق وجزم البعض منهم وهم الأكثر إقبالاً على بضاعتها أنها تتحايل على هؤلاء التجار وتغافلهم وتسرق من بضاعتهم، ولذا تبيع بثمن بخس.

وقد واجهوا أو بالأحرى واجهنا "نعيمة" بهذه الفرية فكانت تصمت قابضة على سلّتها وتنظر فوق أكتافنا إلى مجهول فنتبع بصرها فلا نرى شيئاً ونرتد إليها بأبصارنا فنجدها وقد توارت وراء باب بيتها.

حتى يوم أقبلت من السوق قبيل الظهر، حاملة سلّتها تطوح بها ذات اليمين وذات اليسار من خفّة في الوزن والناس باسطو أيديهم إليها وأفئدتهم تهتز تأرجحاً مع السلّة.

الأختان

امرأتان أو آنستان، لا أذكر سوى أنهما قد طعنتا في العمر حتى بلغتا أرذله، كانتا وحيدتين، لم يكن لهما أحد في العالم ولم نسمع وقتها عن قريب أو أهل يسألون عنهما، كانتا تحملان حدة في الطبع وغلظة في التعامل بجانب وجهين يحملان بتأثير السنوات الطويلة من العمر جفافاً وقسوة، يضاف إلى ذلك ضعف في البصر يقترب قليلاً من العمى.

كنت أخشاهما خشية أمّنا الغولة وحكايات العفاريت والساحرات الشريرات التي تقتات على الأطفال الصغار، كانتا تقطنان بيتاً صغيراً في الجوار، لكن رغم صغر مساحته، فإنه كان يبدو في وضح النهار كسرداب يرفل في ظلام دائم.

كان يلفّهما غموض لا يقل كثافة عن الظلام القابع ببيتهما الصغير، تحاشاهما الأهل والأقارب وكلما سعيت بحب استطلاع لمعرفة شيء عنهما لا أجد سوى غمغمة وشفاه تئن من وطأة ترديد البسملة والحوقلة ثم تتثاقل ألسنتهم وتخمد عن الحديث بشأنهما.

فلم أرَ لهما باباً يُفتح أبداً وقد ساورتني حيرة كبيرة، فكيف كانتا تأكلان؟ ومن أين كانتا تعيشان؟ وأذكر أنها مرة وحيدة تسللت بفضول يقتلني ودفعت بابهما ودخلت والفزع يغمرني بتأثير ما حُكي لي.

كان البيت يلفّه هدوء غريب ممزوج بعتمة تتبعني أينما خطوت، وقد ناديت الأختين كثيراً، ولعلي شعرت بأنفاسهما، ولم أرَ سوى أشياء غريبة موضوعة على الحوائط العارية وبضع قطع متناثرة من الأثاث القديم نسجت العنكبوت قصوراً بها.. وقد تملكني رعب كبير، وهرولت أتخبط بحثاً عن باب للخروج وبعودتي كان عقاب أليم في انتظاري دون رحمة، وتنبيه بعدم تكرار تلك الفعلة.

الساعة

الساعة كم من فضلك؟
أجبته: تقريباً التاسعة.
استفزني الرجل بسؤاله المتكرر صبيحة كل يوم، وكلما تأهبت لتوبيخه أو السخرية منه، أجده يأتيني من حيث لا أتوقع، فيباغتني بسؤاله وأنسى ما كنت أدخره مِن رد، وأجيبه بسرعة وأنا أنظر بذهول لساعة يدي.

حتى يوم أثار فضولي وعزمت على مواجهته لمعرفة من يكون هذا الرجل، ولماذا يسأل عن الساعة يومياً وفي نفس التوقيت؟ وقد سهرت ساعات طويلة لتطويع نفسي على مواجهته.

وفي الصباح التالي وقد بدا على وجهي إرهاق شديد من السهر والتحفّز، انتظرته في نفس المكان، مرّ الوقت ولم يأتِ فقررت الانتظار فترة أطول علّه يظهر، فلما تيّقنت من اختفائه تملّكني غيظ شديد، وأنا أنظر لساعة يدي.

سوء حظ

التقيت بصديق عزيز، وجلسنا على مقهى صغير نأنس إليه، وتحدثنا فماجت بيننا ذكريات وخيبات كثيرة مرت بحياتنا.

توقف الصديق قائلاً: خُيل أن سوء الحظ كان يلازمنا معاً؟
قلت: ليس خيالاً ما ذكرت فدائماً كنا ننتظر الأمل حتى مضى بنا القطار وأوشكنا أن ننزل منه.

ومرّت بيننا لحظة صمت قاتلة، ثم انفجرنا في الضحك حتى ملأ الفراغ وأهاج السكون، وسمعنا من بعيد نباح كلاب غاضبة كأنما تعترض على سخريتنا، فقررنا الرحيل، وقد علت وجوهنا سعادة لا محل لها من الإعراب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.