المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

ترانيم "6"

تم النشر: تم التحديث:

المحاولة الأخيرة

عزمت على الأمر وقررت بصورة نهائية أن تكون هذه محاولتي الأخيرة لفتح الصندوق، ذلك الذي ورثته عن آبائي وفشلوا جميعاً من قبل في فتحه ومعرفة ما يحوي، ومع ذلك كانوا يحرصون على الاحتفاظ به وتوريثه لبنيهم من بعدهم وإيصائهم بالحفاظ عليه.

أعلم جيداً عن محاولات أبي قبيل وفاته لفتح الصندوق، وفشله، وموته بحسرته بعد أن أضاع حياته في الدوران حول الصندوق، ومعرفة ما يوجد بداخله.

على العموم هو صندوق غير عادي كما نعرف، ولا يمكن الجزم بطبيعة المادة التي صُنع منها، ربما يكون مصمتاً من الداخل فهو ثقيل الوزن أحياناً، وفي بعض الأوقات يكون أخف من الريشة التي تتقاذفها الريح في يوم عاصف، وكما قيل على ألسنة الناس ورددته الأجيال فهو في الأصل إرث آل لأحد أجدادي من زمن بعيد، لكن لا يعلمون يقيناً مَن صاحبه الأصلي.

أخرجته فوجدته ثقيلاً كجبل، ويبدو أن رقدته قد زادته وزناً وجاهدت حتى رفعته على طاولة معدنية تتوسط الغرفة، كان الوقت بعد منتصف الليل بقليل، وقد تأكدت من انقطاع المارة في الشارع، ونوم جميع سكان المنزل، ثم أحضرت أدواتي، وقد رسمت من قبل خطة كاملة انتويت أن أكملها تلك الليلة وبنهايتها سيصبح الصندوق ككتاب مفتوح.

تحسسته من جميع جوانبه فوجدته أملس شديد النعومة عن ذي قبل، دافئ بأحد جوانبه وشديد البرودة لدرجة الصقيع بباقي أركانه، لم أندهش فقد تبلّدت حواسي منذ أو وعيت وهذا الصندوق بحوزتي فكل فترة أرى منه عجباً.

أمسكت مطرقة ثقيلة أعددتها لهذا الغرض ورفعتها لأهوي بها على الصندوق، وإذا بجرس الباب يدق بإلحاح شديد، أسرعت لأرى من الطارق البغيض! فلم أجد سوى ورقة صفراء مطوّية من منتصفها، فتحتها فإذا بعبارة يتيمة بخط واضح شديد السواد تقول: لم يحِن الوقت بعد.

الحيرة

ما أشد حيرتي تجاه هذا الرجل، فكلما رأيته، وجدت حالاً يختلف عن سابقه، ما بين سرور شديد لدرجة الهوس مصحوب بصخب يزعج المارة، أو حزن وبؤس كبيرين، كمن مات له عزيز ولا يزال يذكره.

يأتي فنرقب من بعيد حالته، ونبني عليها تصرفاتنا معه ما بين مشاركة لضحكه وحبوره أو مواساة لحزنه وهمّه، وفي كل أحواله ننسى همومنا ومشاغلنا بجواره، فلا نلتفت لها إلاّ بعد رحيله.

مفيش جديد

"مفيش جديد؟!" كانت عبارته المشهورة، كلما قابلني أو التقى أحداً من الزملاء كان يطرحها علينا كسؤال أو استفسار عن شيء كان يترقبه.

سنوات عديدة لعلها عشر أو تزيد، والعبارة كما هي على لسانه يطرحها على كل مَن يقابله، سواء صدفة أو بتدبير مسبق، امتد طرح العبارة لتصل للمناسبات العامة والواجبات الاجتماعية، فكنت أسمعها منه في قاعات الأفراح ودور العزاء.

كنّا نجيبه على عبارته المغلّفة في شكل سؤال، باقتضاب بالنفي وأفهمناه كثيراً صعوبة وجود جديد بالصورة التي يتخيّلها، كما كنا نرد على سؤاله بأسئلة مضادة، ما توقعك لهذا الجديد؟ وكيف سيأتي إليك أو إلينا؟ ثم كيف تأمل أصلاً في وجود شيء جديد؟ فكان يصمت ولا يجيب.

وهكذا دارت حياته في السنوات العشر الأخيرة حول انتظار جديد لم يأتِ أبداً، حتى وافته المنيّة ذات ليلة، فعند عودته من عمله لمنزله ذات مساء باغت زوجته بسؤاله الشهير وعلامات الجدّ على وجهه "مفيش جديد؟ وعندما لم يجد لديها سوى شبح ابتسامة مقتضبة وصمت مطبق، سقط من فوره جثة هامدة، عاش قسماً كبيراً من حياته يبحث عن شيء جديد، ثم مات فجأة ولعله وجد في موته راحة وشيئاً جديداً.

سيجار

أخشى ما كّنا نخشاه، أن تدخل أبلة "كوكب" الفصل وتسبقها عصاها الرفيعة الطويلة كحربة بيد محارب فتثير في نفوسنا فزعاً كمن يرى جان في ليلة ظلماء.

وقبل أن تبدأ حصتها تسأل أولاً عن الواجب، المدرسات جميعهن كن قساة القلوب غلاظ الطبع كملائكة الجحيم لا يعرفن سوى الزجر والنهر، لا يرحمن ناسياً أو متجاهلاً لمسألة ولا يغفرن أبداً التقاعس عن حل الواجب المدرسي، رغم صعوبته كثيراً وثقل محتواه دائماً.

وكن يجدن لذة في توقيع أقسى عقاب على التلميذ المخطئ، وعندما يجدن أحدهم وقد نسى حل الواجب، تجد عيونهن وقد تحولت لشيء أشبه بـ"أمنا الغولة" على حد الروايات التي كانت أمهاتنا تشنّف بها آذاننا لتخويفنا وردعنا عن اللهو ليلاً، فتتحول عيونهن لتقدح شرراً صافياً وتحمر مآقيهن ثم تهجم "الأبلة" على التلميذ، كما لو كان بينهما ثأر أو ودم تطلبه.

والنتيجة رعب شامل لا نتخلص منه مؤقتاً إلا بنهاية يوم الخميس، فنفر من المدرسة فرار السليم من الأجرب، جميعنا كتلاميذ مررنا بتلك المآسي، عدا "يسري" زميل قديم، تذكرته اليوم لما رأيته في أحد شوارع المدينة يمتطي سيارة فارهة للغاية وقد عجزت عن معرفة "ماركتها" كان يُرّصع أصابع يديه الاثنتين بخواتم ذهبية تحوي فصوصاً ملوّنة لأحجار كريمة لا أدري نوعها ويقبض على سيجار ضخم أقرب لجذع شجرة صغير.

كان "يسري" استثناء من القاعدة، فلم يكن يهاب المعلمات أو يخشى بأسهن في طلب الواجب، والتلميذ الوحيد الذي (على حد علمي) لم يحل واجباً أبداً لمعلمة، ولم يكن يهتم بهذا، ليس من منطلق قوة أو واسطة تحميه وتقيه شر المعلمات، لكن لمهارة فردية امتلكها وبّزنا فيها جميعاً، وهي أنه وكلما طلبت معلمة الواجب، اختفى "يسري" أسفل "التختة" بجسمه الصغير والنحيل، فيشق على المعلمات أن تصل إليه بعُصيّهن، كما كان يلجأ للصراخ والعويل والبكاء بطريقة درامية، يتفوق فيه على أداء الراحلة "أمينة رزق" حتى تفزع المعلمة من الموقف أو تخجل من نفسها، وبعد أن يمتلئ الفصل عن بكرة أبيه بإدارة المدرسة والمعلمات من باقي الفصول، وبعض من أولياء الأمور الذين يهجمون على أبواب وأسوار المدرسة، لإنقاذ "يسري" من بين براثن وأنياب المعلمة المفترية، وبقدر خوفنا من المعلمات، بقدر حنقنا المتزايد على "يسري" فقد كان في لهو دائم بعيد عن المدرسة والواجبات، وتجنبته المعلمات خشية الفضائح الذي يتسبب بها لهن، فتجاهلنه ولم يعدن يسألنه عن واجب أو نحوه.. فقد يئسن منه، وتنبأن ليسري بفشل ذريع ونهاية مظلمة بائسة لمستقبله وأقسمن أنهن يرينها رأي العين.

وتمر السنوات، ونحن نضع "يسري" أنموذجاً للفشل نهرب منه ونتحاشاه وننأى بأنفسنا للسير بعيداً عنه، وقد اختفى بدوره ذات يوم من المشهد، وقيل إنه قد ضلّ السبيل أو انحرف وأشيعت عنه أقاويل كثيرة لا نعرف صدقها، حتى رأيته على عكس ما تخيّلت وتوقعنا كان في أبهى صورة وفي وضع يناقض ما سمعناه قديماً وقد مازحني ساخراً، مؤكداً أن ما وصل إليه بفضل تجاهل الواجبات قديماً، وأنه لو فعل والتزم مثلنا لكانت نهايته.. ثم صمت وأطلق كمية كبيرة من الدخان من سيجاره الضخم، فأغشت أبصار المنصتين لحديثه، وبعد أن انقشع الدخان، تلاشى "يسري" عن الأنظار، تاركاً بعضاً من رماد سيجاره الفخم على وجوهنا.

الغياب

استوقفني وذكّرني بنفسه وبأيام طفولة مدرسية عشناها سوياً.. ارتسمت على وجهي نظرة بلهاء، حاولت إخفاءها قدر المستطاع، وأجهدت عقلي محاولاً تذكره أو استرجاع ما يحكي من مواقف وأحداث وقد فشلت تماماً، فجأة توقف عن استرساله في الحديث، مدقّقا في وجهي، وقال: يبدو أنك لا تتذكرني فعلاً!

أزعجني جداً أنه قرأ ما بداخلي، فبررت ذلك ببعد المسافة والمكان واعتلال الذاكرة ثم سلّمت عليه وتركته.

لست أدري لماذا التفت خلفي، أمعنت النظر فيه من جديد، متذكّراً شريطاً من ذكريات باهتة وعشرات السنوات الضائعة، وقد مرت من العمر كقطار سريع وكأنها بالأمس القريب.. سنوات كثيرة لم تكن جميعها مفعمة بالبهجة والسرور، لكنها كانت ممتلئة بكثير من الأهل والأحباب والأصدقاء، منهم من غاب بالموت، ومنهم بالنسيان، وبعد المكان.

الحاضر

ما أغرب هذا الرجل، لغيابه وحشة وحنين كبيران، رغم أن حضوره لا يضيف للمكان كثيراً، لكنّا ألفناه بيننا واعتدنا وجوده وربما تنقضي أيام دون أن نلتقيه، ومع هذا كان يُشعرنا بشيء غامض، وكأن بوجوده يكتمل نقص لدينا، دون أن نسأل عن كنهه خشينا فكرة غيابه أو اختفائه.

هو الحاضر الغائب دائماً، موجود لدرجة لا نشعر بوجوده وإن غاب تكدّرت حياتنا وسرعان ما نبحث عنه.

وقد سألنا أنفسنا كثيراً عن سبب واحد يدفعنا للتمسك به، وافتقاده حال الغياب بهذا الجنون، فلم نظفر بإجابة قاطعة تشفي الصدور وتطفئ نار اللوعّة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.