المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

ترانيم "5"

تم النشر: تم التحديث:

الظلام

انقطعت الكهرباء وعمّ الظلام المكان، عندها تذكرت قول الحكيم: إن تُشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام.. فقررت من فوري إشعال شمعة كبيرة.
* جاءني من يخبرني أن الشموع هي ترف ورفاهية لا يقدر عليها إلاّ من كان أهل لها.
- قلت: وما العمل إذن؟
* أن تظل في الظلام حتى تعود الكهرباء، على أن يظل فمك مغلقاً وأن تقينا شر حكمك ومواعظك.

عَرَق غزير

أخرج من جيبه منديلاً من القماش، وشرع يمسح به عرقاً غزيراً اندفع من جميع مسام وجهه وأطرافه، كان منظر المنديل المصنوع من القماش في هذا الوقت مدعاةً للاستغراب أولاً ثم السخرية من صاحبه، وهو موقف على العموم أعاد لكثيرين من الحضور ذكريات مع المنديل القماش وأهميته التاريخية، فتنهد البعض حسرة على ذكريات قديمة.

وبعيداً عن مشهد المنديل، نعود للموقف الأصلي والعرق الغزير، فقد فوجئ الرجل عند عدوته لمنزله ذات مساءً بصوان كبير بنقوشه الزاهية التي يغلب عليها الزخرف الإسلامي المعروف، دهشة الرجل أنه وجد الشارع خاوياً على عروشه وهو أمر غير مألوف، صامتاً بعد صخب وحركة دائمين كصمت أصحاب القبور.

دهشة بالغة اعترته عندما وجد أن الصوان قد نُصب بعرض الشارع وطوله دون أن يترك منفذاً لقاطني الشارع، سُدت أبواب البيوت بإحكام فحُبس الموجودون بالبيوت ومنعوا من الخروج، وحيل بين الموجودين بالخارج وبين الدخول.

صاح الرجل كثيراً فلم يسمعه أحد، وتنادى أسماء بعينها يعرفها في الشارع من الجيران والأصدقاء، لكن لا حياة لمن ينادي، لم يستجب أحد، وبالأدق لم يعرف إن كان هناك أحد كي يستجيب.

وقد مرت فترة طويلة من الزمن قُدّرت بالساعات، وهو في مكانه لا يبرحه، حتى يأس فارتد بظهره للخلف وصولاً للميدان، وبدأ يمسح ما انهمر من عرق غزير، فأخرج منديلاً قماشاً ورثه عن أبيه، وشرع يمسح رأسه وأطرافه وسط دهشة المارة.

زيارة ضرورية

يمر عليها يومياً دون أن ينتبه لها ربما بتأثير التعوّد، إذ تفقد الأشياء والأماكن أهميتها وتخفت قيمتها..
توقف فجأة وكأنه يلحظ وجودها لأول مرة، سأل نفسه لماذا لم يتوقف قبل لزيارة الأهل بها؟

ركن سيارته، صعد بضع درجات متهالكة من سلم حجري قديم لأحد مداخلها المتعددة، قادته قدماه لأماكن كان يعتقد أنه نسيها حيث يرقد الأهل والأحباب، قرأ على أرواحهم الفاتحة وما تيسّر له من الآيات.

تذكر السابقين منهم واللاحقين، ذكريات كثيرة تواترت على ذهنه سريعاً وهو يقف أمام شواهد القبور، يتذكر كيف كان هؤلاء يملأون السمع والبصر ويحيون كما لو كانوا لن يموتوا.. سرقه الوقت، فتركهم وقد صحبته ذكريات لا تزال تطوف بخياله كلما مر أمام المقابر.

الغياب

استوقفني في منتصف الشارع فجأة وذكّرني بنفسه وبأيام طفولة مدرسية عشناها سوياً.. ارتسمت على وجهي نظرة بلهاء، حاولت إخفاءها قدر المستطاع، وأجهدت عقلي محاولاً تذكره أو استرجاع ما يحكي من مواقف وأحداث وفشلت تماماً، فجأة توقف عن استرساله في الحديث، مدقّقاً في وجهي، وقال يبدو أنك لا تتذكرني فعلاً!

أزعجني جداً أنه قرأ ما بداخلي، فبررت ذلك ببعد المسافة والمكان واعتلال الذاكرة، ثم سلّمت عليه وتركته.

لست أدري لماذا التفت خلفي، أمعنت النظر فيه من جديد، متذكّراً شريطاً من الذكريات الباهتة وعشرات السنوات الضائعة وقد مرت من العمر كقطار سريع وكأنها بالأمس القريب.. سنوات كثيرة لم تكن جميعها مفعمة بالبهجة والسرور، لكنها كانت ممتلئة بكثير من الأهل والأحباب والأصدقاء، منهم من غاب بالموت ومنهم بالنسيان وبعد المكان.

السحر والساحر

كان يردد علينا مقولته الخالدة "لا شيء يهم" يقولها متأففاً من كل شيء، الناس والهوام والوضع والمكان، وذلك رغم بؤسه الظاهر، وشيخوخته البادية، لكنه ظل يحتفظ بعقل متقد، حاد الذكاء، قوي التركيز لدرجة مدهشة لمن في مثل سنه.

شهدنا له ومعه بقدرته على قراءة الأفكار، والشفاه، وقدرة أكبر على التقاط خيوط أي حديث ولو لم يشارك فيه من بدايته، يكفي أن يستمع قليلاً لينطلق مفنداً الآراء المختلفة، طاعناً في كل الرؤى السابقة والمستقرة، طارحاً نظرة جديدة للموضوع، الحق أن رؤيته غالباً كانت تسبق الآخرين ولو كانت حالمة أو خيالية أو فرضاً مستحيلاً حدوثها.

نذكر عنه مهارة الدفاع المستميت عن رأيه وتعضيد وجهة نظره بكل ما ملك من أدلة، وإن كانت واهية، وهي على العموم مهارة كنّا نحسده عليها كثيراً، ونكرهه من أعماقنا قليلاً وبمرور الوقت اكتشفنا أن مهارته وقدراته هذه وتلك نعمة لنا وليست نقمة علينا، فكنّا نستعين به على الخصوم، نوظّفه جيداً فيدير الحوار ويبدأ الجدل وسرعان ما ينهي القضايا بما يتفق مع رؤانا.

ثم انقلب السحر على الساحر، فبدأنا نتشكك في آراء الجميع، ثم أصبحنا لا نطمئن لبعضنا البعض، ونسرع إليه فيبعث فينا قلقاً مضاعفاً، ويتزايد على يديه الشك والريبة، فصرنا لديه أدوات يوظّفها جيداً فيما يبغي ويُضمر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.