المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

المرايا

تم النشر: تم التحديث:

المرآة.. لا نقصد بها المعنى السطحي لأي سطح لامع أو برّاق أو مصقول، من زجاج أو خلافه، فهي مجرد الأداة تعكس الصورة كما هي، وتخلق واقعاً وهمياً أو افتراضياً، لكننا نقصد المرايا أو المرآة، كحالة من الشغف الإنساني، وُجدت بوجوده ويدور حولها طوال حياته، يجد فيها كلما نظر لها ما يرغب أو قد تنفي عنه سقطات يراها غيره واضحة كالشمس.

يصحو كل فرد صباحاً وقبل أن يبدأ يومه، يذهب لأقرب مرآة لينظر إليها أو بالأحرى لينظر لنفسه، وبالتحديد لتقاطيع ومعالم أو ملامح وجهه، يُمعن النظر وقد يقف برهة يتحسس وجهه بيديه جيداً ليستوثق من وجود كل شيء في مكانه الطبيعي كما تركه قبل الذهاب للنوم.

لعلك تسأل نفسك، كلما نظرت لمرآتك صبيحة كل يوم: هل أنا حقاً ذاك الذي أنظر إليه ويبادلني نظرة بأخرى؟ وما لي أراني غريباً عنه؟ وكيف أشعر أني أختلف عنه؟! فذلك شخص قد اعتراه الكبر "إن كنت شيخّاً مسناً أو كهلاً على أعتاب مرحلة منتصف العمر"، فتسري الدهشة في جسدك ككهرباء ترتجف منها ولها! أن تُريك المرآة شيخوختك ووهنك الجسدي فترفض الصورة، ويبدأ صراع بداخلك يشتعل لحظة بعد أخرى ويوماً بعد يوم، فيحدث الشرخ أو الصدع بداخلك ما بين ذات مستقرة لا تشيخ، ولا ينالها الهرم والعجز، وبين جسد بمرور الوقت يتداعى على نفسه مشيراً لنا بنذر وعلامات على اقتراب الرحلة من نهايتها.

النظر في المرآة نفعله جميعاً وليس حكراً على نوع دون الآخر، لحظات قليلة قد تقل عن دقيقة أو تزيد، لكنها تأخذك من نفسك وبعيداً عن واقعك، تنظر إليها أو بالأدق لنفسك فيها فتشعر كثيراً بغرابة ما تراه أو قد ترضى عنه قليلاً، قد تستعيد ذكريات الصبا، وقد تقيم حياتك بين جدران مادية وأخرى معنوية لا تتعدى ما تسمح به مرآتك، فمتعة كبيرة لنا كبشر أن ننظر لأنفسنا من الخارج، ومتعة أكبر أن نمنع الآخرين من النظر لذواتنا، إذ نراها عورة كبعض مناطق الجسد لا يجوز التطفل عليها.

وللناس فيما يعشقون مذاهب، لكنهم أي الناس يعشقون جميعاً (وإن تفاوتوا في ذلك العشق) المرايا، ولا تثريب عليهم أو علينا إن فعلنا، فذلك أمر جُبلّنا عليه، ولا نملك حياله مخرجاً.

فكل يميل للنظر لنفسه، سواء للتأكد من وسامته والتغزل الذاتي، أو لتنسيق وضع يراه يحتاج لإعادة ضبط وترتيب، أو لحب الذات مكتفياً بنفسه عمّن حوله.
ولعلنا لا نبالغ في القول إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينظر في المرآة، ويبحث عنها كثيراً، وكأنه بالنظر فيها وإليها يبحث عن شيء ضائع، أو يتأكد من شيء كان ينبغي وجوده.

المرايا.. أداة مادية، تتحول بمرور الوقت لمعيار معنوي، نرى فيه ذواتنا كما نُحب أن نراها، وكما نوّد أن يرانا الآخرون، وحبذا لو كانت المرآة بشرية، أي شخص يرينا ما نرغب في رؤيته، ويسبغ علينا من الصفات والمواصفات ما نحلم به، سواء أكان قائماً موجوداً أو غير ذلك، فتنقلب المرآة وقتها لوسيلة لإرضاء الذات وآية من آيات النفاق.

النهاية أن لكل منّا مرآة خاصة به، بداخله، يحتاج للنظر فيها كل فترة، سواء لاستعادة رباط جأشه أو حيويته، أو تغلّباً على أوجه قصور وعوار بشرية طبيعية كامنة لديه، وربما بحثاً عن طمأنينة يفتقدها حوله، ولربما هرباً من واقع سمج إلى نرجسية وعشق للذات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.