المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

"نارمر".. الملك المؤسس والنهر العظيم

تم النشر: تم التحديث:

ينساب نهر النيل قاطعاً آلاف الأميال، مخترقاً بلداناً كثيرة، في رحلة مرهقة أزلية للنهر، حاملاً معه الخير والنماء، ومع هذا لم تنشأ على ضفتَيه سوى حضارة واحدة فقط، الفرعونية القديمة!


لم تكن مصر هبة "النيل"، كما زعم البعض، بل كانت هبة المصريين أو البشر الذين عاشوا على هذه البقعة في شمال شرق إفريقيا؛ حيث تنتهي رحلة النهر العظيم، النهر العظيم كان عاملاً هاماً في نشأة الحضارة المصرية القديمة، لكنه لم يكن كل شيء، فالمصري القديم ومن قبله عملية توحيد وجهي مصر البحري والقبلي في دولة أو مملكة واحدة ثابتة الحدود، ثم تطويع النهر بعنفوانه وجبروته، في وقت كان فيه العالم نفسه يغط في نوم عميق، كان المصريون يصنعون تاريخ البشرية.

كلمة السر ومفتاح الحضارة ترجع لفترة زمنية تتجاوز ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، تلك اللحظة التي ظهر من العدم فيها القائد الملك "نارمر أو مينا"، فوّحد إقليمَي مصر الشمالي والجنوبي في دولة واحدة وضع حدودها القائمة حتى الوقت الحاضر، ووضع أسس أول دولة مركزية في التاريخ، بأقسامها الإدارية وأقاليمها المختلفة؛ حيث وُلدت الحضارة الفرعونية، وانطلقت شرارتها منذ تلك اللحظة فقط.

على يديه تأسس نظام سياسي قوي ودولة مركزية ثابتة الحدود، متغيّران مهّدا لنشأة الحضارة وهو ما لم يحدث في باقي بلدان النهر العظيم؛ لذا حق لنا أن نقول إن مصر هبة ابنها البار الملك "نارمر" ولا غير. فمَن هذا الرجل؟ وكيف صوّر له عقله فكرة توحيد الإقليمين في دولة واحدة؟

مَن هو الملك نارمر "مينا موحّد القطرين"؟!
اختلف المؤرخون في تحديد السنة التي بدأ فيها "نارمر أو مينا" حكم مصر المتحدة، فمنهم من يرجع بنا إلى سنة 4326 ق.م، ومنهم مَن يذهب إلى أبعد من ذلك، ويضع تاريخ هذا الحادث في نحو سنة 5000 ق.م، وهناك مؤرخون من جهة أخرى يميلون إلى التاريخ القصير ويؤرخون هذا الحادث بعام 2900 ق.م، أو عام 2704 ق.م، غير أن الآراء أصبحت الآن متفقة على اتخاذ طريق وسط بين هذين الحدين فجعل 3200 ق.م، وهذا التاريخ الذي بدأ فيه ملوك مصر المتحدة يحكمون البلاد يعرف ببداية التاريخ المصري عند "مانيتون".

توحيد الوجهين:

جاء الملك "مينا" من بلد يسمى "ثنى" بجوار العرابة المدفونة بسوهاج، وكان حاكماً للوجه القبلي، احتل حاكم الوجه القبلي "مينا" الوجه البحري، ووحد الوجهين عام 3200 ق.م تقريباً، وجعلت هذه الوحدة منه أول ملك لمصر؛ ليبدأ بذلك عصر الأسرة الأولى، ثم أنشأ "مينا" مدينة "منف" (ممفيس) كعاصمة للبلاد الموحدة حديثاً، ومّثل موقعها الوحدة على نحو نموذجي؛ حيث وقعت على رأس الدلتا، الحد بين الوجهين القبلي والبحري، ورغم توحيد البلاد فإنه في أول الأمر يحمل التاج الأبيض الخاص بالجنوب، والتاج الأحمر الخاص بالشمال، ولم يحمل التاج المزدوج إلا في أواسط حكم الأسرة الأولى، وكذا نشاهد هذا التمييز في المصالح الحكومية، فمثلاً نجد أن الخزينة مزدوجة، أي حزينة الوجه القبلي وخزينة الوجه البحري وهكذا، كما نجد أن ملك مصر المتحدة لا يحمل لقب ملك مصر بل ملك الوجه القبلي وملك الوجه البحري، وكذلك كان يحمل لقب "رب الأرضين" و"سيد الجنوب"، و"سيد الشمال.

لوحة "نعرمر" أو "نارمر":

وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عُثر على لوح "من" يحمل نقوشاً تخلد انتصار "نعرمر"، وقد وجدت هذه اللوحة في "هيراكنبوليس" وهي محفوظة الآن بالمتحف المصري.
و"نعر" تعني سمك "السلور" و"مر" تعني "إزميل"، ونظراً لأن هذين العنصرين ينطقان اسمه، نقشا بالهيروغليفية على قمة جانبي اللوح، ووضعت الكتابة الهيروغليفية بين رسمين لرأسي بقرتين تمثلان لوجه الإله "حتحور".

وعلى أحد الجانبين يظهر "نعرمر" مرتدياً التاج الأحمر للوجه البحري "دشرت"، ويسير في موكب باتجاه صفين من الأسرى مقطوعي الرؤوس ووضعت رؤوسهم بين أقدامهم وقد كتبت فوقهم أسماء البلدان التي فتحها "مينا"، وإلى أسفل، يظهر ثور هائج ينطح قلعة ويسحق بقدميه الأعداء المهزومين كناية عن انتصار الملك على أعدائه.

وعلى الجانب الآخر من اللوح، يرتدي "نعرمر" التاج الأبيض للوجه القبلي "هدجت" ويقف أمام "حورس"، وهو يتأهب لضرب الأعداء بصولجانه؛ حيث يقبض بيده اليمنى على صولجانه الذي يشبه دبوساً له رأس على شكل كمثرى، بينما يقبض بيده اليسرى على شعر العدو المسمى "واش"، ويقف خلف "نعرمر" حامل نعليه ومسبوقاً بأربعة من حملة الأعلام ثم بوزيره أيضاً، وقد ذكر فوقه ما يعني أن "حور" قد أحضر للملك أسرى من الدلتا (أرض نبات البردي)، والمنظر السفلي يمثل عدوين عاريين فارين.

والرسالة التي يريد إيصالها واضحة: أنه ضرب الأعداء واحتل أرضهم، وضمهم تحت حكمه. وتعتبر لوحة "نعرمر"، التي اكتشفت في "نخن" من أقدم السجلات المصرية للكتابة المصرية؛ حيث تعود إلى عصر ما قبل الأسرات.

"مينا" أم "نعرمر"؟:

يعتقد كثيرون أن "نعرمر" و"مينا" شخص واحد؛ حيث كان لكثير من الفراعنة أكثر من اسم، ووفقاً لقوائم الملوك القدماء ومن بينها لوحة "أبيدوس" (التي تضم أسماء جميع الملوك منذ الأسرة الأولى حتى الملك "سيتي الأول" مرتبة ترتيباً زمنياً) وكذلك بردية "تورين" الموجودة بمتحف "تورين" بإيطاليا، وسجلات "مانيتون" (الكاهن المصري الذي عاش قبل الميلاد بحوالي ثلاثة آلاف عام، وقسم التاريخ إلى أسرات) كان مينا أول ملك يحكم خلال عصر الأسرة الأولى من مصر الموحدة عام 3200 ق.م تقريباً، وليس هناك الكثير مما يـُعرف عن "مينا" ويعتقد البعض أنه كان بطلاً أسطورياً، بينما يعتقد آخرون أن "مينا" هو الذي أسس "من نفر"، و"من" التي تعنى "أسس" ربما كان اسماً مناسباً لمثل هذا الملك، بيد أن هذه اللوحة التي تخلد ذكرى التوحيد بواسطة حاكم يدعى "نعرمر" لم يظهر في أي من قوائم الملوك، الأمر الذي يدعو للاهتمام.

أعمال "مينا":

هو الذي أسس أول عاصمة لمصر الموحدة واختار لها مكاناً يربط بين الشمال والجنوب، وهي التي عرفت فيما بعد باسم "منف" (وهى حالياً قرية ميت رهينة بمركز البدرشين محافظة الجيزة)، وقد أحاطها بسور أبيض ولذلك سميت مدينة (الجدار الأبيض) ثم تغير اسمها بعد ذلك إلى (منف).

أقام "مينا" في العاصمة "منف" أول حكومة مركزية قوية لمصر كلها مع جنوبها، واستطاعت هذه الحكومة المركزية القوية تكوين جيش قوي ومنظم لحماية البلاد، وتأمين حدودها من غارات الأعداء الذين كثيراً ما كانوا يطمعون في خيرات البلاد.

هو أول مَن قام بترويض نهر النيل‏؛ حيث أقام أول عمليات شق الطرق وإقامة الجسور على النيل‏،‏ بل إنه أغلق فرعاً للنيل حتى يصب الفيضان في المجرى الرئيسي لتسهيل النقل والملاحة‏.‏

للإطلاع على مراجع للتدوينة.. إضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.