المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

حديث عن المقهى

تم النشر: تم التحديث:

بمهارة وخفة يد تثير إعجابي دائماً، صبَّ النادل القهوة في الفنجال، ثم حركّ "الكنكة" في حركة دائرية ببطء، وسكب ما تبقى من البن في فنجان القهوة، فتصاعدت أبخرة خفيفة شكّلت دوائر سحرية تثير عشق المدمنين وتدفعهم للتأمل بعيداً.

عبّق فنجان القهوة المكان برائحته الذكية وتعلوه كمية من "الوش" تلك الطبقة المستحبة التي يعشقها روّاد المقهى من مدمني القهوة، وتدل على حرفية النادل.
ونظرت للنادل فوجدته متجهماً على غير عادته، فأشار بيده إلى حوائط المقهى من الداخل وقد علتها أتربة وأدخنة سوداء، منظر يشي بعدم نظافتها منذ فترة طويلة.

قلت له: ماذا وراءك؟
قال: هل يعجبك منظر "المقهى" وشكله السيئ الذي يدفع الزبائن للهروب منه والبحث عن أماكن أخرى؟
الحق ما تقول، فلماذا لم تقترح على صاحب المقهى أن يُحدث تغييراً وتطويراً للمقهى يحافظ على رونقه ولا تضيع معالمه؟
متأففاً وبصوت حرص على الهمس به دون الجهر: سحقاً للتغيير والتطوير.

لقد ذكرت ذلك لصاحب "المقهى"، وقدمت له رؤية كاملة لإعادة المقهى لرونقه القديم، واستعادة مجده بين المقاهي المجاورة وتلك التي يُطلق عليها "الكافيهات"
وقد استجاب بالفعل في الأول لما ذكرت وشرع في تنفيذ ما أوصيت به.
جميل جداً، لكن لا أرى أثراً لما ذكرت!

تعرف كما يعرف غيري، أن صاحب "المقهى" قد ورثه عن أحد أقربائه، وأن ليس له من قريب أو بعيد بإدارة المقاهي وما تتطلبه من فن ومهارة يفتقر لهما فعلاً، ولا يدركها ويظن في نفسه الظنون ويرى أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه.

قدمت له رؤية التطوير، وشرعنا فعلاً في إجراء التغيير والتطوير المطلوب، ونفّذناه فعلاً في وقت قياسي، لكننا صحونا ذات يوم على قرار خائب بهدم جميع ما فعلنا، آمراً أن تعود الأمور إلى سيرتها الأولى.

سألته متعجباً: لماذا؟ وهل يكره عاقل التغيير والتطوير للأفضل؟ خاصة أنه المستفيد الأول مما سيحدث!
تدخل أحد رواّد المقهى في الحديث قائلاً: تلك حقيقة مَن جُبل على العيش في القذارة، فاستحبها وأدمنها ويراها وأتباعه أمراً واجباً وقدراً مفروضاً.
أمّنت على صدق قوله، ومع آخر رشفة من فنجان القهوة، تذكرت قول صديق حكيم: "لا تصاحب الأهبل، ولا الأهبل يصاحبك".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.