المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

احترام المبدأ وإدراك المغزى طريق للاستمرارية

تم النشر: تم التحديث:

السينما اختراع إنساني مدهش للغاية، ولم تعد وسيلة للترفيه، بل أضحت أداة لتوثيق الحياة الاجتماعية والسياسية وغيرها، كما أنها تعكس الواقع بصورة مأساوية أحياناً، وساخرة أحياناً أخرى، وربما يمر علينا مشهد سينمائي ما ضمن أحداث "فيلم"، ولا نقف أمامه بانبهار إلا بعد سنوات طويلة، ومن هذه المشاهد، مشهد رائع لأداء العملاق الراحل "نجيب الريحاني"، والسينما المصرية عامة، قديماً وحديثاً، ضمن أحداث فيلم "أبو حلموس"، إنتاج عام 1947، ونجزم عن يقين أن الفنان الراحل "الريحاني" كان صنائعياً (صنايعي) بالمعنى المهني المفهوم، فقد كان يعمل كاتباً للحسابات، كمستخدم جديد في دائرة لأحد أثرياء العهد الملكي، في أول يوم له في العمل يطلع على الدفاتر والحسابات ويفزع من هول وحجم السرقات التي تتم.

هنا نجد أن عبقرية الريحاني، ورسالته التي سعى لتوصيلها إلينا، أنه كمستخدم ومهني لم يجد غضاضة في السرقات والنهب لأموال وممتلكات الدائرة، لكنه اضطرب وغضب غضباً شديداً لاجتراء اللصوص السابقين، وعلى رأسهم المسؤول عن الإدارة (الباشكاتب)، على قواعد وأصول المهنة، كان يرى أن هناك ضوابط وقواعد ينبغي أن يلتزم بها هؤلاء وإلّا كان نتاج العمل قميئاً وهزيلاً.

بدأ المشهد بحوار بين المستخدم الجديد المتأفف من السرقة السمجة وبين باشكاتب الدائرة "لم يكن المستخدم على دراية بشخصيته".
عباس فارس (ناظر الوقف): حضرة المحترم مؤنس أفندي ياقوت، مرسل لكم طيه كشف بمبلغ 92 جنيهاً و17 قرشاً و3 مليم عن قيمة ما صُرف في بياض الغرفة البحرية بمنزل حارة قواوير.
نجيب الريحاني (المستخدم الجديد): هههههههههه.
عباس فارس: إيه يا جدع إنت فيه إيه؟
نجيب الريحاني: أوضة واحدة بيضتوها بـ92 جنيه؟!
عباس فارس: أيوه.
نجيب الريحاني: أيوه إزاي ليه بيضتوها بإيه؟! بلبن زبادي بمربة تفاح؟!
عباس فارس: أظن كتير شوية؟
نجيب الريحاني: كتير شوية؟ ده كتير قوي قوي ده نصب، ده نهب، كلام في سرّك ناظر الوقف بتاعنا من الصنف التقيل.
عباس فارس: يا شيخ.
نجيب الريحاني: قوي قوي قوي.. ده حرامي.
عباس فارس: حرامي؟!
نجيب الريحاني: أيوه وحرامي حمار كمان.
عباس فارس: حمار؟
نجيب الريحاني: يقيدهم زي ما هو عاوز، لكن مش بالشكل ده، بياض أوضة 92 جنيه.
عباس فارس: أومال إزاي؟
نجيب الريحاني: انتم مساكين قوي، أنا أقول لك إزاي، كحت البياض القديم مثلاً كذا، سنفرة الحيطان بعد الكحت كذا، تقطيب الخروم والثقوب كذا، تلييس الحيطان بعد التقطيب كذا، دهان أول وش كذا، دهان تاني وش كذا.. دهان تالت وش كذا، وبعد كده مش يقيد 92 جنيه يقيد ميّه واتنين وتسعين جنيه كمان. كده تبقى مبلوعة.

وهكذا لخصّ لنا الريحاني "الفنان العبقري" فكرة فيلم "أبو حلموس"، الرئيسية، أن اللص ينبغي أن يكون ذكياً وألاّ يكون حماراً؛ كي يستمر بمنصبه، الجميع وعى الدرس وأدرك المبدأ الذي نادى به الريحاني، والتزم به لصوص المال العام، والحق أنهم أخلصوا وأصبحوا فيما بعد أعلاماً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.