المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

الوصية الرقمية

تم النشر: تم التحديث:

غير خافٍ على أحد كمّ التأثير الذي أحدثته -ولا تزال تحدثه- مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما يطلق عليها دون ترجمة "السوشيال ميديا"، إذ يبدأ ينشئ الفرد لنفسه حساباً على أحد أو بعض أو كل هذه المواقع، يُغذيه ليل نهار بمنشورات وتعليقات، يضع به من الأفكار والآراء ما يعكس شخصيته، ويحدد للناس اتجاهاته ومواقفه السياسية أو الاقتصادية، أو الحياتية عموماً.

كما يضمّن الفرد حسابه قوائم بصداقات ومجموعات عمل وصفحات يشترك فيها نشِطاً أو متابعاً، وكلها تمثل سلوكاً بشرياً يميّزه عمّا سواه، ويحدد له على هذه المواقع بصمة إنسانية مغايرة لبصمات الآخرين.

لا جدال أن التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد من قبيل الرفاهية، ولا مضيعة للوقت، بل أصبح نمطاً معيشياً، وطريقة للتواصل وتجاوز المسافات والقيود السياسية والثقافية وغيرها، لدرجة لفتت نظر كل المنظمات والشركات، سواء الهادفة للربح أو الحكومية أو الدولية وغيرها، لأهمية هذه التقنية، وأهمية التعاطي مع مئات الملايين من المشتركين بها ومستخدميها، فاندفعت بدون هوادة للاشتراك وإدارة حسابات خاصة بها لتسويق منتجاتها وأفكارها وخدماتها.

أيضاً لا نتجاهل اهتمام الحكومات بخطورة هذه المواقع، بما تضمه من حسابات وبما تملكه من قدرة على الحشد والتعبئة، وما تتضمنه من أفكار ورؤى تتجدد باستمرار، فنحن نعي جيداً أن اضطرابات سياسية كثيرة حدثت -ولا تزال- بالعالم، وبمنطقة الشرق الأوسط تحديداً، فيما أطلق عليها "ثورات الربيع العربي"، حدثت وفق متغيرات وأسباب خاصة بكل منها، لكن ندرك يقيناً أن لمواقع التواصل الاجتماعي (بالتحديد الفيسبوك والتويتر) دوراً وتأثيراً قويين في تسارع الأحداث وتلاحقها، لدرجة أنهت نظماً سياسية كانت مستقرة إلى حين، ولا تزال المنطقة مشتعلة بفعل هذه التقنيات.

كل هذا دفع للتفكير في قضايا أخلاقية وقانونية ترتبط بهذه التقنيات الجديدة للاتصال والتواصل، وبخاصة ما يتركه المستخدم لها من إرث رقمي يمثل قسماً من حياته قضاه في ترك بصمة تقنية بهذه المواقع، واتجاهات ومواقف أثّرت في غيره، وأخرى تأثّر بها، ونحن لا نقصد بهذا المقال أن نشير لقضية الخصوصية أو الالتزامات الأخلاقية والقانونية التي تُجبر المستخدم على تحرّي الموضوعية، والبعد عن الوقوع تحت طائلة نصوص قوانين العقوبات؛ لكننا نركز بشكل خاص، وما ذكرنا، على ذلك الإرث الرقمي الذي يخلّفه المستخدم حال وفاته، والقضايا المرتبطة به، وبعض هذه القضايا الشائكة لا تزال محل بحث ودراسة منها، ولعلنا نشير لبعضها هنا، ومن بينها:

* هل يجوز الإرث (التوارث) فيما يتركه الفرد على حسابه الشخصي على أحد مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك - تويتر)؟!

* هل يحق للفرد أن يصوغ "وصيّة رقمية" للتصرّف في تركته الرقمية الإلكترونية بعد وفاته؟

* هل تخضع التصرفات الرقمية بعد موت صاحب الحساب لذات قواعد التصرف في التركة الواردة في أحكام الشرع والقانون؟

* هل يجوز التدخل قانوناً بدعوى للحجر وفرض الوصاية على حساب فرد أصيب بأحد عوارض الأهلية؟

* هل يمكن إخضاع الإرث الرقمي لتشريعات حماية حقوق الملكية الفكرية؟

* ماذا لو تصرّف الموقع الرسمي (التواصل الاجتماعي) حيال حساب المستخدم المتوفى دون الرجوع للورثة الشرعيين؟

* ما هي القوانين التي تخضع لها الوصية الرقمية (بلد المستخدم أو بلد الموقع نفسه)؟

* ماذا لو تم التصرف في الموقع الرئيسي نفسه بالبيع أو الدمج مع أخرى، ما هي ضمانات ورثة الإرث الرقمي؟

* حال إصابة المستخدم بأحد عوارض الأهلية، كيف يمكن التصرف فيما تركه من إرث رقمي متناثر هنا وهناك؟

التساؤلات السابقة تستدعي إعمال التفكير، والبحث عن حلول خارج الصندوق؛ إذ قد تتحول هذه التساؤلات قريباً لواقع يمثل أزمة قانونية تقف أمامها المحاكم الوطنية حائرة، وربما آن الوقت لإنشاء كيانات قانونية تقنية تتولى التعاطي مع هذه التساؤلات، لضمان حقوق المستخدم العربي لمواقع التواصل الاجتماعي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.