المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

هل سقط نظام مبارك؟ إعادة قراءة للمشهد

تم النشر: تم التحديث:

ثمانية عشر يوماً بالتمام، وأصبح نظام "مبارك" أثراً بعد عين، اختفى كأن لم يَغنَ بالأمس، القصد هنا رأس النظام نفسه دون رجالاته. فلم يكن ما حدث في يناير/كانون الثاني 2011 ثورة بمعناها المعروف، فقد سقط النظام فجأة سقوطاً مدوّياً، وكانت شراذم اللئام مستعدة للغنيمة، فاقتنصت الفرصة للوثوب مكانه بسهولة.

لكن نندهش كثيراً من زوال هذا النظام الذي حكم مصر قرابة ثلاثين عاماً وجثم على صدر الوطن، وأُشيع عنه أنه كان يُحصي على الناس أنفاسها، وحركاتها وخلجاتها، وما يعتمل بنفوسهم، سقط رغم قضّه وقضيضه الإعلامي، هوى من شاهق رغم قبضته الأمنية العنيفة.
فلماذا سقط؟ وما الدرس المستفاد الذي إن سار عليه النظام الحالي أو أي نظام سياسي، لا يقع في نفس الفخ ولا يلقى ذات المصير البائس؟! ثم أخيراً هل سقط النظام فعلاً؟

هل بسبب الفقر والبطالة؟

يعاني المصريون من الفقر طوال تاريخهم المجيد، فدائماً كانت الثروة في أيدي فئة قليلة العدد من السكان، لهم المناصب والثروة والنفوذ، ولباقي السكان الفقر والفاقة، ما يعني أن المصري والفقر صنوان لا يفترقان، فحدثت الألفة بينهما طوال عقود بل آلاف السنين "وفق منهج أهي عيشة والسلام"، فلم يجد حرجاً أن يأكل مما تأكل البهائم من طعام، وتكّيف كثيراً مع الحد الأدنى من العيشة والمعيشة، كما أن الموروث الديني يحضّ على فضيلة الصبر على المكاره، ويؤكد أن الجنة محطة أخيرة للفقراء، إذن لم يكن الفقر معياراً للخروج على مبارك والثورة عليه، ثم إجباره على الخروج المهين.
هل كان التوريث؟

اعتاد المصريون على فكرة توريث الحاكم منصبه لأولاده ثم أحفاده من بعده، ولعل الحقبة الفرعونية كانت مدخلاً رئيسياً لترسيخ المفهوم في الوعي المصري، فتقبله المصريون على مضض بداية، ثم أصبح قدراً محتوماً فيما بعد.

ثم بدا بعد فترة للكل أن فكرة التوريث لا غضاضة فيها، ولا تثريب عليهم إن ساروا على نهجها، فما من فئة من الفئات أو طائفة من المهن إلا وقد آمنت بالتوريث إيمانها بوجود الله عز وجل، ورأى هؤلاء وغيرهم أن الحكمة تقضي بتوريث مناصبهم ووظائفهم العامة لذويهم، حفاظاً على استمرار المنافع واستقرار الدولة فيما بعد.

ولم تكن ثورة يوليو/تموز 1952 إلاّ استثناء وانحرافاً في عقيدة المصريين للتوريث، لكن الأمر لم يستغرق سوى سنوات قليلة ثم فُتح الباب على مصراعيه للقفز العائلي على المناصب والمغانم العامة والمسميّات.. وأقصيت الكفاءات تحت زعم مفهوم أهل الثقة دون الخبرة، فلم يعد للخبرة والكفاءة دور في اختيار القيادات، فقام الاختيار على مبدأ الثقة فيهم والقدرة على التعاون والعمل معهم ومن خلالهم.

إذن لعل هذا المبدأ هو السوسة التي نخرت في عظام وجسد النظام "المباركي"، فاعتلى النظام رجالات بينهم وبين الكفاءة والخبرة بُعد المشرقين، فأصبح النظام في سنواته الأخيرة هيكلاً كبيراً وشكلاً برّاقاً من الخارج مع مياه جوفية تنخر في جوانبه حتى خرّ عليه السقف، وتداعت أركانه من القواعد.

أدرك "نظام مبارك" حجم الكارثة التي يعاني منها نظامه، ولم يجد مخرجاً للعودة أو التقهقر عن التوريث، في مختلف قطاعات الدولة الرسمية وغيرها، فذهب لإحكام قبضته الأمنية، وغالى فيها بقسوة وعنف، وتدخلّ الأمن في كل صغيرة وكبيرة، لكنه -وللحق- كان تدخل الدبة التي قتلت صاحبها، فذهب على غير هدى يبحث عن أهل الثقة، ممن ينبغي الوثوق فيهم لإدارة مرافق الدولة وقيادة السفينة، وهو في لهاثه هذا أطاح بالسفينة وخرقها، ولم يسعفه أهل الثقة، فكانوا هم أول من قفز من على سطح المركب، تاركين النظام ورأسه لمصيرهم "وقتها".

الخلاصة.. أن القبضة الأمنية القوية وأهل الثقة كانتا أداتين لهدم نظام مبارك وتدميره، وإن طلّ علينا بصورة أو بأخرى حالياً، والدرس المستفاد أن النظام الذي يلجأ لذات الأداتين سوف يلقى ذات المصير، شاء أم أبى.

نعود للسؤال الرئيسي والأهم: هل أُطيح فعلاً بنظام "مبارك"؟!

يرى بعض المثقفين وأهل النخبة أن النظام أُعيد إنتاجه مرة أخرى، وكأن ثمة عملية تجميل جرت له، فخرج علينا بصورة جديدة، وهو قول يقترب من الأراجيف، فلم يسقط من النظام فعلياً سوى رأسه وأعوانه المقرّبين فقط، بينما النظام بكامله متجذّر ببنية المجتمع المصري، خلال ثلاثين عاماً وتزيد انتشر خلالها كما الورم السرطاني، لدرجة أصبح من الصعب التخلّص منه بصورة كلية, فخرج علينا كما كان وبصورة أشد عنفاً، فلم يكن "إذن" ثمة إعادة إنتاج للنظام، بل كان قائماً جاهزاً برجاله وعتاده، تحيّن الفرصة وانقض عليها من جديد، إعمالاً للعرف السائد بأن السلطة في مصر جرى عليها ما يجري على "المنقول" في القانون المدني، إذ إن الحيازة في المنقول سند الملكية، فمن يحوزها تصبح حلالاً له.