المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

الإدارتان العسكرية والمدنية وما بينهما

تم النشر: تم التحديث:

"المؤسسة العسكرية تطرح أجهزة تكييف للمصريين بجودة عالية وبأسعار تقل كثيراً عن مثيلاتها".. خبر تناقلته وسائل الإعلام الإلكترونية، ثم أخبار تتواتر بسرعة عن تكليف وإسناد مشكلات اقتصادية مدنية لبعض أجهزة المؤسسة العسكرية لإدارتها والتعامل معها..

نعرف أن غالبية المبتكرات التكنولوجية الحديثة، التي نتمتع بها الآن وتعتبر من البديهيات في المجتمعات المعاصرة، هي اختراعات كانت لأغراض عسكرية في المقام الأول، وعلى رأس تلك التقنيات، الهواتف المحمولة، الأقمار الصناعية والويب أو الإنترنت، وهكذا أسهمت التطورات العسكرية في إحداث تطوير في الحياة المدنية نفسها.

الإدارة العسكرية تتميز بالانضباط الشديد، القدرة على التركيز على الهدف، والاهتمام بعامل الوقت، وتميل المؤسسات العسكرية بكافة دول العالم لتطبيق ما يسمى بمنهج (بحوث العمليات) منهجاً للتفكير في حل المشكلات يأخذ في اعتباره كل المتغيرات والعوامل المؤثرة على المشكلة، وبما لا يسمح بالخطأ ويضمن حلولاً ناجعة.. وهو ما اهتمت به دول العالم المتقدم، خاصة في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وطبقته على نطاق واسع بالإدارة المدنية.

الخلاصة أن تصدي المؤسسات العسكرية للأعمال والأشغال المدنية قد يراه البعض تغولاً على قدرة القطاع الخاص أو العام المدني على العمل، واستحواذاً على أنصبة اقتصادية بدون داع، وليست من قبيل مهامه الأساسية، دون أن يرى هؤلاء الجانب الإيجابي لقدرة القطاع العسكري على العمل والإنجاز، حال ترهل وضعف الأداء الإداري المدني كما الحال بمصر..

فالحاصل والفعلي أن الإدارة المدنية بكل تفصيلاتها العامة أو الخاصة، أصبحت مترهلة ليس لديها رؤية سياسية أو استراتيجية لأهداف الدولة أو احتياجات المواطن، كما أن ضعفها أدى لتغول مماثل من التجّار والمنتفعين والوسطاء بصورة أشعلت الأسعار، وأسهمت في خلق أزمات مضاعفة للمواطن المصري، وأجهضت كافة ثمار التنمية على ضآلتها، فلم يشعر أحد بقيمة ما تفعله الدولة من إصلاحات، إذن لا ضير أن تتدخل الدولة بمؤسستها العسكرية بتكليفات رسمية، لإنجاز أعمال وأنشطة هي من صُلب اختصاص الإدارة المدنية (القطاعين العام والخاص).

إلا أن هذا وإن كان يمثل دليلاً مضاعفاً على نجاح المؤسسة العسكرية فيما يُوكل لها من مهام في الشأن المدني، (شريطة خضوعها لنفس الضوابط والقوانين التي تخضع لها شركات القطاعين العام والخاص، وألا تتمتع بمزايا ضريبية، سواء بصفة رسمية أو غير رسمية على حساب باقي قطاعات الاقتصاد، كما ينبغي القصل بين الهيئات الاقتصادية المملوكة للمؤسسة العسكرية وبين المؤسسة العسكرية نفسها كقوات مسلحة لها مهام محددة ويستلزم هذا ضرورة الفصل بين الملكية والإدارة كما حدث منذ فترة للقطاع العام).

إلاّ أن تدخل الهيئات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية في المجالات الاقتصادية المدنية، يعدّ دليلاً حياً ودامغاً على فشل الإدارة المدنية بكاملها وفقدان الثقة فيها، كما يُخشى أن يكون ثمة تعمّد مقصود لإضعاف الإدارة المدنية لحساب الهيئات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية، بما يحقق للأخيرة ميزة نسبية وتنافسية، تمنحها الحق في التوغل والتغول بمختلف الأنشطة الاقتصادية المدنية، لذلك فالمنطق يستدعي إعادة النظر في فرضية التدخل وصياغة المنهج بطريقة تحقق تنافسية تصب في مصلحة الجمهور، خاصة أن الأمور لا تستقيم بهذا الشكل للأبد، فثمة نقطة فاصلة عندها ينبغي البدء بتصويب الأمور.

لعل البداية بإصلاح وتطوير حقيقي للإدارة العامة والخاصة المدنية، بناء الثقة فيهما وبينهما وبين المواطن، وقبل هذا وذاك يجب أن تستعيد الدولة سيطرتها وقدرتها على إنفاذ القانون على الجميع، فدولة القانون هي المرجع والمعيار للتطوير والتنمية بشتى المجالات..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.