المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

الوحدة

تم النشر: تم التحديث:

رأيت ذات مساء في أثناء عودتي من يقتحم عليَّ طريقي ويطلب بصيغة الأمر "2 جنيه سلف"! والحق، لقد اعتدت أنماطاً مختلفة من التسول، وبعضها كان فجّاً وأخرى تتم بأدب، لذا لم أُعِر السائل اهتماماً، وبحثت في جيوبي عن فكة؛ كي أمنحها للسائل ولأتخلص من عبثية الموقف، لكن أعياني البحث، فآثرت أن أمنحه بضعة جنيهات ورقية، أعطيتها للسائل دون تركيز، فرفضها ونهرني بصوت عالٍ: أنه لا يطلب سوى جنيهين اثنين لا غير.

لم أميّز الصوت ولا صاحبه، لكن اضطررت تحت تأثير الموقف وردّ الفعل إلى أن أمعن النظر إليه، كان أشعث الشعر، زائغ العينين، لحيته مرسَلة، بها مناطق يغزوها الشعر بكثافة وأخرى يجدب كأنها صحراء جرداء، ملابسه رثَّة توحي بأن صاحبها لم يخلعها عن جسده منذ شهور، ينتعل حذاء شكلاً، لكنه أقرب إلى الحفاة واقعاً. الشكل منفّر للغاية، وقد جاهدت حتى أتذكّره.

عدت بذاكرتي إلى الوراء سنواتٍ بعيدةً جداً، بدايات الثمانينات، تذكرته كأنه عائد من غياهب الماضي.. "عبد الرحمن" زميلنا، كان أكثرنا ثقافةً وإجادةً للغات وميلاً إلى السفر في الإجازة الصيفية، كان يضج حيويةً وحبوراً، ودائماً يشغل حيزاً في أي مكان، تأثيره كان واضحاً فيمن حوله، أعرفه قليلاً، وجوده كان حاضراً بلباقته وأدبه ومؤثراً في الجميع مع طموح لا نهائي.

بنهاية السنة الثالثة، لا يدري أحد ما حلّ به، اختفى أو انزوى عن المحيطين، قيل إنه كان يعيش وحيداً بمنزل كبير ورثه عن أبويه، وإن الوحدة كانت أقوى منه فكسرته، فهجر الدنيا ثم اختفى سنواتٍ كثيرةً حتى نسيه الناس وأصبح بينهم مجرد ذكرى جميلة.

تحرّيت حاله ممن أعرفهم ويعرفونه قديماً، أنكروا علمهم بما أصابه، قالوا باختفائه سنوات ثم ظهوره من جديد في صورة متشرد، كان يعي جيداً ما حوله ويتذكر دائماً زملاءه، ودليلهم في ذلك أنه ما سأل إلّا من يعرفهم من الزملاء وأنه لا يسأل أبداً إلّا عما يحتاج إليه لا أكثر ولا أقل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.