المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

تمرّد

تم النشر: تم التحديث:

سمعت أزيزها، ورأيت إصرارها، وعجبت لأمرها، كانت تندفع في حركة دائرية حول المصباح المضيء، وكأنها تسعى وراء شيء فقدته، أو كأنها تطير مجبرة ومكرهة على الفعل، دوران سريع، ثم اصطدام بالمصباح المضيء الساخن، ثم تقع على الأرض؛ لترف بجناحيها محتضرة ثوان معدودات، ثم تصمت للأبد.

نظرت لها وأعي كغيري، غباء ما عدانا من كائنات حية، سواء سائرة على قدميها أو طائرة بجناحيها أو زاحفة على الأرض، لكن نتفق جميعاً أيضاً على أن حب الحياة غريزة متأصلة في كل الكائنات الحية، والمستحيل أن نجد كائناً حياً يندفع لحتفه من تلقاء نفسه؛

لذا غمُض عليّ كثيراً موقف تلك الحشرة وهي تدور طائرة حول المصباح المنير، ورغم حساسية الحشرات للحرارة عموماً، فإن الحشرة كانت تندفع نحو المصباح المضيء شديد الحرارة وتصطدم به، في سعي سريع للانغماس في نوره الساطع، ولا أدري هل تعلم الحشرة مسبقاً بنتيجة فعلها؟ وهل تعي أن نهايتها رهن بشغفها الكبير للنور؟

فهل هي من الغباء لهذا الحد أن تضحي بنفسها لقاء لحظة تقترب من الثانية أو تزيد قليلاً، ثم تحترق بعدها وتموت؟! أم أن هذا قدر مفروض عليها؟ وهل وجدت ضالتها في ضوء ينير حياتها لحظة واحدة ثم تفنى غير عابئة بما فعلت أو بما انتهت إليه؟ أم تختم حياتها بثورة وتمرّد على وجودها كحشرة فترتقي بنفسها مرة واحدة؛ كي تعبر الحد الفاصل بين النور والظلام؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.