المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

"أميركا - إيران.. والعكس".. السباحة ضد التيار

تم النشر: تم التحديث:

"وكأن الأمر أشبه بجبل جليدي ضخم تجثم قمته الصغيرة على سطح الماء، يراها الناظر إليها هينّة، ويستخّف بها، بينما كامل جسده المخيف يقبع في الظلام، مستعداً ومنتظراً اقتناص ضحاياه من السُذّج".

جاء "ترامب" وإدارته رئيساً للولايات المتحدة الأميركية على عكس غالبية إن لم تكن كل التوقعات وقياسات اتجاهات الرأي العام في العالم الغربي عامة وأميركا على وجه الخصوص.
من غريب أن فوزه شكّل صدمة وقتية، ومفاجأة مؤلمة لغالبية البلدان من أصدقاء الولايات المتحدة وأنصارها وحوارييها من المحتمين بها.
جاء وفي يمينه وجعبته أجندة عمل سياسية لإدارته تقوم على فكرة بسيطة، تحطيم كثير من "التابوهات" السياسية والثوابت الاستخباراتية الأميركية، وبخاصة في علاقاتها ببعض الدول في الشرق الأوسط.

وثمة رأي منطقي، يشي بأنها أجندة تحمل نزقاً في إطارها الخارجي، لكنها أيضاً تتضمن بداخلها منطقاً قوياً يقوم على التحلل من كثير من الالتزامات والتعهدات مع الجميع، وبخاصة الأتباع، مركّزاً فقط على مصلحة داخلية آنية، وعلى هدف واضح، يتلخص في إعادة التركيبة العالمية في صياغة جديدة تصب في النهاية في مصلحة الإدارة الأميركية.

ولعل جرأة ترامب قد تمثلت بشكل قاطع في صراحته، وفي خروجه عن المألوف والعرف السياسي السائد، والتعبير جهرة بما لا يجوز علناً، وهو أمر دعا كثيرين لنعته بصفات تتنافى مع المنطق، وتأبى أن نصدّقها في مثله ممّن يمتلك ثروة كثروته الهائلة، ويدير إمبراطورية اقتصادية تنتشر في بلدان كثيرة.

ويبدو أن التحليل الأولي لشخصية ترامب بشأن جموحه واندفاعه، وتنبؤ بعض المؤشرات لصعوبة استكماله لفترة رئاسته الأولى، شكّلت عامل اطمئنان للكافة، ومن السخف أن نقرأ ترامب الآن كشخصية استثنائية تستلزمها طبيعة المرحلة بنفس أدواتنا التقليدية، فالرجل لم يصل للرئاسة الأميركية بليل؛ بل بنفس الآليات والأدوات المتبّعة، كل ما هنالك أن البعض وضعوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم وكأن بهم صمماً، حتى فوجئ الأتباع والحواريون بالوصول ثم اعتلاء سدة الرئاسة الأميركية.

والسخف الأشد أن نسير وراء أي تفسيرات تنتقص من قدرات ترامب (العقلية أو تصمه وإدارته بعوار سياسي أو إداري)، كمن يبحث عن تفسير ساذج لمشكلة عويصة، ويكتفي بتبريرات لا تسمن ولا تغني من جوع.

يبدو أن الإدارة الأميركية قد سئمت أو ملّت من أتباعها التقليديين، ورأت أن فاتورة حمايتهم تُعدّ عبئاً اقتصادياً ينبغي التخفيف منه أو التخلّص كليّة منه، في ظل تنامي قوى عظمى في الأفق "الصين"، وهو أمر حميد على كل حال، فالالتزام بالأعباء يعني احتمالاً أكبر في الغرق بمستنقع هوى فيه سابقاً الاتحاد السوفييتي.

ويبدو أيضاً أن إدارة ترامب تعي جيداً طبيعة التهديدات والمخاطر التي صنعها أسلافها من الإدارات السابقة والتي ارتدت لصدورهم، والجزم الذي يصل لحد اليقين أن ترامب أتى لقيادة مرحلة "التخلص من الأنصار والأتباع" المحسوبين على الفكر السياسي الأميركي التقليدي، ثم إعادة صياغة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، يتحمل حُكامها، وبخاصة في الخليج، كامل الفاتورة، لكن بشكل مغاير، تعتمد على التهديد برفع الوصاية والحماية، مع تفكيك كامل لكل أطراف شبكات الحماية والمساندة العسكرية والسياسية للأذناب في المنطقة (من جماعات أو كتل).

لذا من السخف الذي يصل لحد الغباء أن نعتقد أن إدارة ترامب على عداء أو ستكون مع إيران، والحديث ينبغي أن يكون عن إيران، الدولة ذات التوجه السياسي، القوة النافذة بالمنطقة، التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من امتلاك سلاح نووي؛ لذلك فمن الضرورة الاستراتيجية أن تظل إيران الدولة، فزّاعة المنطقة بكاملها، ومُدخلاً قوياً للترهيب، ولا تثريب على الحكام والأنظمة السياسية أن تلجأ بدورها لحماية نفسها وتجييش الموارد والطاقات لحماية استقرارها من استنفار العداوة مع مذهب ديني "الشيعة"، فالخلط متعمّد، والأخذ والترويج له ضرورة لا مفرّ منها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.