المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

أهمية "الزوجة الثانية"

تم النشر: تم التحديث:

الفن مرآة تعكس الواقع، أو تصوره بحرفية موجزة، وبطريقة تدعو للدهشة، ومنها وبخاصة السينما ما يمثل علامات لواقع يحدث منذ عشرات السنين، فتوثّقه وتحفه لنا كشاهد قبر على سخف علاقة السلطة بالناس.

لا يزال فيلم "الزوجة الثانية" عنواناً لواقع عاشته مصر بحذافيره لعشرات السنين الماضية، وتعيشه الآن بتفاصيل مغايرة، وإن ظل المضمون واحداً، العلاقة بين السلطة والمواطن، العلاقة بين أطراف السلطة وبعضها البعض، وانحراف كثير منها عن دورها الحقيقي، وتسخير قدرتها على التنكيل بالناس بالحق نادراً وبالباطل دائماً.

لا يزال هذا الفيلم "الزوجة الثانية" دليلاً عملياً لمن يريد أن يفهم واقع السياسة في مصر منذ مائة عام وحتى الآن.

يتلخص الواقع الحالي في مشهد وحيد عبقري لم يتكرر كثيراً، مشهد التحقيق الذي يجريه "المأمور" في حضور "العمدة" في غيبة "أبو العلا"، المواطن البائس، بناء على توجيه تهم سابقة التجهيز، ثم الإجابة على لسان المتهم، التحقيق يتم أثناء تناول الطعام الذي أعدّه العمدة "للمأمور" ورجاله.

والمتهم غائب لا حول له ولا قوة، ولا يعي ماذا يحدث ولم تُتح له فرصة للإجابة على أسئلة "المأمور" المتلاحقة؛ إذ إن الأخير كان يجاوب بنفسه، وعلى لسان المتهم بما يؤكد الاتهامات التي قد تطيح بالنهاية برقبته.

بؤس المواطن وفقره، وقدرة "العمدة" وتحالفه مع السلطة التنفيذية الغاشمة، واجتماعهم جميعاً في مشهد واحد بحضور رجل الدين الذي يبارك تصرفات "العمدة"، ويضفي عليها مشروعية دينية بخطاب مؤثر ممزوج بآيات من الذكر الحكيم وبضعة أحاديث يجيد توظيفها جيداً.

الغريب أن هذا المزيج الشيطاني بكل ما يملك من مال ونفوذ وسلطة، كانت عيناه تتطلعان للمواطن الفقير، يستكثر عليه ما لديه، يوظِّف قدراته اللانهائية للتنكيل به وإرغامه على تنفيذ مطالبه، ما أسوأ أن تقف أمام مشهد كهذا! فتجد أن الدنيا بما فيها تترصّدك وتدفعك دفعاً للتنازل عمّا تملك على قلته وندرته، وما أسخف وأقبح أن يتحالف ضدك الجميع! مَن يملك السلطة ومَن يوظّف الدين وجميعهم يلتقون في النهاية على مصلحة مشتركة، ويقفون على ذات الأرضية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.