المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

رقمنة العمل الإداري.. رؤية لتقليص الفساد

تم النشر: تم التحديث:

أصدرت منظمة الشفافية تقريرها عن الدول الأكثر فساداً في عام 2015، بحسب فساد أجهزتها الحكومية وانتشار الرشوة وإساءة استخدام الوظيفة الحكومية بها؛ حيث رصدت المنظمة في تقريرها تنامياً كبيراً لمستوى الفساد في الدول النامية، وقد تبوَّأت مصر الترتيب رقم 84 سنة 2015 على مؤشر الفساد العالمي.

الفساد: هو الخطر غير المُدرَك على الأمن، وفق بارومتر الفساد العالمي الصادر عن منظمة الشفافية الدولية عام 2013؛ حيث تؤكد الإحصاءات أن قرابة 31% من المواطنين بدول العالم المختلفة قد دفعوا رِشى لموظفين رسميين من أجل الحصول على الخدمات.

وحيث إن مشكلة الفساد متأصلة ببلدان العالم أجمع ولا تقتصر على منطقة جغرافية دون الأخرى، فإنها ترتبط بالأنشطة البشرية والتفاعلات أو العلاقات المباشرة بين الأفراد والأجهزة الرسمية، إذاً هي مشكلة مرتبطة بنشأة الدولة المعاصرة، أو هي عرض من الأعراض السلبية المصاحبة لتطور الدولة.

على أن انتشار الفساد عالمياً لا يعني تبريراً لترسخه وتجذره بالمجتمعات الشرقية أو الدول النامية تحديداً، أو مصر بالأخص، وهي الحالة التي تعنينا، فالدول المعاصرة، وبخاصة الموغلة في الديمقراطية، تسعى لمعالجة العوار أو التشوّه الناتج عن علاقة الفرد بالسلطة الرسمية، وتضع التشريعات المنظّمة للعلاقة، وتؤسس لقواعد للشفافية والمساءلة، لا تسمح لتفشي الفساد وانتشاره، بل تهتم بتحجيمه وتغليظ العقوبات الرادعة.

وتعرّف منظمة الشفافية العالمية الفساد بأنه إساءة استغلال المنصب الحكومي لتحقيق مكاسب شخصية، أو سوء استخدام السلطة العامة لتحقيق ربح أو منفعة خاصة.

الشاهد هنا أن الفساد هو خرق الضوابط الأخلاقية والاجتماعية والإدارية، بحسب تعريف البنك الدولي، أو إساءة استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص.

وعموماً فإن الفساد كمصطلح يغطي مجموعة واسعة من الممارسات السياسية والاقتصادية والإدارية المشبوهة والمريبة، ويشمل مساحة واسعة من الأعمال والتصرفات غير الشرعية، فهو ظاهرة معقدة تتشعب أسبابها وتتنوع آثارها، وتشمل أنواعاً مختلفة من أنماط السلوك الشاذة، أهمها-
1- الرشوة.
2- الاختلاس.
3- استغلال النفوذ.
4- إهدار المال العام.
5- توظيف المال العام لغير ما خُصص له، إما للمصلحة الخاصة أو لمصلحة فرد أو مؤسسة أو حزب أو جماعة.
6- التهرب والمساعدة على التهرب من الضريبة.
7- الوساطة.
8- تسريب المعلومات.
9- تفضيل ذوي الصلات والقربى في التعيينات في الوظائف (توريث المناصب العامة).
10- تفضيل ذوي الصلات والقربى في العقود.
11- شخصنة القرارات الإدارية دون التقيد بالقوانين والأنظمة.
12- الحصول على نسب مالية محددة مقابل إحالة العقود أو المناقصات.
13- الإهمال الجسيم بما يلحق ضرراً جسيماً بالأموال العامة.
14- اتخاذ قرارات للإنفاق العام ظاهرها المصلحة العامة وباطنها تحقيق إثراء مادي لطرف ثالث خارجي (متعاقد أو مقاول.. إلخ)، وهي قرارات تطابق الإجراءات القانونية في مجملها.

لذلك فإن مشكلة الفساد يعيها الجميع (لدينا) ويؤكدون وجودها فعلاً، ولا يملكون حيالها حلاً جذرياً، وربما نرى يومياً حالات وقضايا فساد تقع بقمة الهرم الإداري والقيادي بالدولة، وبرغم وجود ترسانة كبيرة من التشريعات العقابية، فإن المشكلة في تفاقم، ونموها ينعكس سلبياً، سواء في صورة نتائج تنموية مخيّبة للآمال أو نفسية في صورة عزوف المواطن عن المشاركة لتدني مستوى الانتماء لديه.

والحق أن الفساد أداة قادرة على الهدم والنحر في بنية الدولة السياسية والاجتماعية، فيصير المجتمع بمرور الوقت متفسخاً؛ لذا لا تثريب على من شبّه الفساد بالورم السرطاني، إذ يعمل كلاهما على الإجهاز على الضحية ذاتياً.

لذا فالبحث عن حل أو مخرج للتعامل مع مشكلة الفساد بصورة نهائية أمر صعب، خاصة حينما يأتي الحل على يد من انغمس في هذا المناخ الفاسد وتشّربه حتى الثمالة، فتغيم الرؤية بناظريه ويصبح من العبث أن توكل إليه التصرف واتخاذ القرار، الخلاصة أن الحل ينبغي أن يكون غير تقليدي، سواء من حيث الأدوات المستخدمة أو فرق العمل المنوط بها التنفيذ.

وتعتبر تقنيات المعلومات والاتصالات حلاً جيداً ومُخرجاً ثورياً للتعامل مع مشكلة الفساد الحكومي بدول العالم، فقد أيقن الخبراء وفي ضوء الدراسات والبحوث المعنية أن تقليل الاحتكاك المباشر بين الفرد والسلطة الرسمية ممثلة في أجهزتها الإدارية، يخفضّ بشكل ملحوظ من الوقت المستغرق في أداء المهام والخدمات المقدمة للفرد، ويقلصّ من المدفوعات غير القانونية "رشاوى أو عمولات أو غير ذلك"، كما تقضي بشكل كبير على دورة الروتين والبيروقراطية الإجرائية الإدارية.

لذا كان مفهوم "الأتمتة automation"، أي تحويل العمل المكتبي اليدوي لصورة رقمية إلكترونية، لتتحقق بساطة الإجراءات الروتينية، وتتقلص المسافات الزمنية والمكانية التي تولّد الاحتكاك التقليدي بين الفرد والأجهزة الإدارية، ومن ثم تختفي المعاملات المالية المباشرة.

المعنى المباشر أن رقمنة الأعمال الإدارية بصورة تختفي خلالها المعاملات المباشرة بين الموظف العام، وتتقلص الإجراءات البيروقراطية، تؤدي في النهاية لمستوى جيد من الخدمات المقدمة، مباشرة للفرد، وبصورة تحقق العدالة والمساواة بين الناس بالمجتمع، فالآلة لا تميّز بين المتعاملين، ولا تُعلي من مصلحة فئة على أخرى، ولن تُمدّ يدها طلباً لرشوة أو عمولة.

"رقمنة" العمل الإداري تعني مزيداً من الشفافية، والوصول السهل للمعلومات، وتمكين القيادات من اتخاذ قرارات على أسس معلوماتية صحيحة، وتعني إنهاء هيمنة النخبة الإدارية على مفاصل ومفاتيح العمل الإداري والمالي بالدولة، فالشفافية تدعم المساءلة، وهي قادرة على وقف الفساد.

ويتبقى قبل التوسع في "الأتمتة" أن نؤمن عن يقين بأن الفساد بمختلف صوره يقضي على كافة فرص التنمية وعلى أية جهود تُبذل، ويصبح المجتمع في ظل الفساد كالمنبَّت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.