المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

مسألة "العقل الجمعي"

تم النشر: تم التحديث:

على المستوى الفردي، يتميز الذكاء الإنساني بالقدرة على التفرد والإبداع، ولعل هذا التمايز بين الأفراد هو ما أدى لظهور تنوع كبير من البشر بمستويات ذكاء وعبقرية مختلفة، فتنوع البشر (الأصل التفرد والوحدة، والاستثناء هو التجمع والاندماج).

عندما يتجمع أو يجتمع أكثر من شخص، يظهر ما يسمى بالعقل الجمعي، وهو طريقة تفكير غائمة تسيطر على الأذهان، فتسلب الفرد القدرة على التفكير المنطقي المنّظم، ويقع بسهولة تحت تأثير أفكار منتشرة هلامية يؤمن بها، نتيجة إيمان من حوله، في حالة أشبه ما تكون بالوباء العقلي.

وعزفاً على هذا الوتر، يأتي دور الإعلام الموجّه، الذي يملك القدرة على تشكيل وعي الجماهير، ودفعهم دفعاً كالقطيع في مسارات واتجاهات محددة سلفاً.

ولعل بداية الحديث بموضوعية عن مفهوم العقل الجمعي ترجع لعالم الاجتماع "دور كايم" ومؤلفه الشهير "قواعد المنهج في علم الاجتماع"؛ حيث تناول بشيء من التفصيل في نظرية "قهر العقل الجمعي"، مؤكدا أن الظواهر الاجتماعية والأحداث الخارجية التي تحيط بالفرد بالمجتمع تشكّل تصورات نفسية، وتؤدي بالنهاية إلى وجود شعور أو (عقل جمعي) له خواصه الذاتية التي تفصل بينه وبين الشعور الفردي فصلاً تاماً، وتلعب هذه التصورات دوراً ضاغطاً على الفرد، مغيّرة من تصرفاته وسلوكياته، بما يتفق مع الشعور الجمعي السائد.

ويفصل دور كايم بين العقل الفردي كتصور وبين العقل الجماعي كشعور خارج عن تصور الفرد، وفي هذا لم يقف دور كايم على ثنائية: "التصور والشعور" كما ينبغي، والمعنى أنه يجوز تطابق التصورات الفردية والجماعية معاً، ولكن بشرطين:

الأول: أن يمس الحدث جانب الشعور الفطري والعفوي لدى الإنسان، وهو بذلك يخلق عقلاً جمعياً غير مقصود، والفرد جزء من الكل الجماعي، وينطبق عليه من شعور فطري وغريزي ما ينطبق على المجموع، كمثال التعرض للعلم الحضوري.

الثاني: أن يمس الحدث جانب الهوية الذاتية، فلا يمكن عزل شعور الفرد عن شعور الجماعة إذا شعر بالخطر من عدو متربص، سواء حقيقي أم زائف.

إن التصور والشعور يندمجان في مفهوم واحد إذا اتحدت المعلومة للجماعة، وهذا يعني أن من يقوم بتوحيد الصورة المعلوماتية يقوم في نفس الوقت بخلق وعي جمعي وفردي متطابق، مثال الإعلام.

ومبكراً لفت "العقل الجمعي" اهتمام الكهنة ورجالات الدين، والزعماء فيما بعد، ومن السهولة ومن خلال "العقل الجمعي" يمكن تمرير فكرة بين الناس، بحيث تتحول بمرور الوقت لشيء أقرب للمعتقد أو من الثوابت التي لا تتزحزح من مكانها.
وفي ضوء هذا المفهوم لـ"العقل الجمعي" يمكن تفسير سلوك البعض، بمقارنة التصرف أو السلوك الفردي في المعاملات الفردية اليومية العادية، بما ينتج عنه من سلوكيات مرتبطة بانضمامه أو تبعيته لجماعة ما فكرياً.

فالعقل الجمعي رغم أنه وهم على المستوى الفردي فإن تأثيره ملحوظ في تشكيل اتجاهات وسلوكيات الفرد مجتمعياً، ويدفعه كثيراً لسلوكيات قد تتعارض مع قناعاته الفردية، وحين تمتزج السياسة بغاياتها مع رغبات وطموحات رجال الدين، يتشكّل وعي جمعي أيديولوجي ينبع من قوة أنه يفرض هيمنة عقائدية لا يملك الفرد منها فكاكاً.

واليوم تجتمع أدوات كثيرة وتعمل معها بتناغم على صياغة عقل جمعي، يشكّل وعي المواطن حيال القضايا السائدة، صانعة منه مؤيداً لها أو معارضاً لأخرى (الميديا - القوى السياسية - التكتلات والجماعات الدينية - المؤسسات العسكرية - والمؤسسات الدينية - الدولة بكل أطرافها وشخوصها الاعتبارية وأخيراً المؤسسات التعليمية الموجودة)، جميع هؤلاء يتفقون على قلب رجل واحد على صياغة شعور واتجاهات الفرد بصورة تسمح لهم بتمرير كل الأفكار المؤيدة أو المعارضة، وهكذا وبمرور الوقت ينشأ صراع مرير بداخل الفرد، بين رؤية فردية لما يحدث حوله يؤمن بها عن يقين، لكن لا يملك قدرة على إعلانها أو التلويح بها جهراً، بتأثيرات أخرى أشد تأثيراً وقوة، قوة جمعية تعمل لحساب المجموع، اتفقت فيما بينها بصورة مباشرة صريحة أو غير مباشرة على تقليص فردية الفرد لحساب المجموع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.