المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

ذكريات التكوين

تم النشر: تم التحديث:

شهدت فترة الثمانينات من القرن الماضي، وبخاصة الفترة ما بين 1983 و1988، انتشاراً كثيفاً للتيارات الدينية على اختلاف مسمياتها وتوجهاتها، لكنها جميعاً وبطريقة لافتة للنظر كانت تركز على الجامعات لاستقطاب الشباب، وبخاصة من الطبقة دون المتوسطة أو الفقيرة، من المناطق الريفية.

الملاحظ آنذاك أن رؤوس الزعامات الدينية بكلية التجارة كانوا معروفين بالاسم لأمن الكلية، وبطبيعة الحال لجهاز أمن الدولة، كانوا يُعتقلون كثيراً ويخرجون بسرعة تقارب سرعة اعتقالهم.. بطريقة مثيرة للدهشة وقتها.

وبجانب التيارات الدينية عالية الصوت والقادرة على تحريك المظاهرات واستقطاب الطلاب الجُدد، كانت هناك تيارات سياسية أخرى تعمل على استحياء وفي الخفاء، كالاشتراكيين والماركسيين.

الإخوان والجهاديون وغيرهم من الجماعات الدينية كانوا يمتلكون رؤية يؤمنون بها ويرون أنها الحقيقة المطلقة وينظرون إلى من يخالفهم، على عداء مع الشرع والعقيدة، وأنهم أوصياء على الدين، وأن وصايتهم تمتد بالضرورة للبشر وكل الموجودات، وبخلاف ذلك كانت هذه الجماعات تناصب التيارات الاشتراكية والماركسية العداء الصريح، وتراهم خارجين عن الملّة، وأقرب للكفر وينبغي استتابتهم، وإلاّ أُقيم عليهم الحد، بينما على العكس ورغم ضآلة وضعف الاشتراكيين والماركسيين، فإنهم كانوا يمتلكون ميزة مدهشة، وهي القدرة على التحليل والتفسير لأي ظاهرة تقابلهم، كما أنهم كانوا يرون في التيارات الدينية جانباً معارضاً سياسياً للدولة له كامل الحقوق والواجبات، ويرون أن المجتمع يتسع لكل الطوائف والاتجاهات.

قرأت كتابات أبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، وكثيراً من مطبوعات ومنشورات الجماعات الدينية في الكلية، وهي كانت متاحة بكثرة ووفرة، وبخاصة في المدينة الجامعية، وعلى كثرة ما قرأت لهؤلاء لم أستطِع الاقتناع بفكرهم ولا بمعتقدهم في الحياة ونظرتهم للدين وللمجتمع.

بحثاً عن مزيد من التقرّب من هؤلاء.. دأبت ولفترة مع صديق لا أتذكر اسمه على حضور خطب الجمعة للشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن، في مسجد صغير بحي "النويري" بالفيوم، سُحرت بقدرته اللغوية وفصاحته وطلاقة لسانه وقدرته على استمالة القلوب في خطبته، وقدرته على استمطار اللعنات والدعاء على قيادات الداخلية والأمن والدولة جميعاً والناس من ورائه يؤمنون على كلامه ولعناته، خاصة مع شباب حديثي عهد بهذا اللون من الخطابة الدينية الممزوجة بتوجهات سياسية معادية للدولة، لفت نظري أكثر أن الشيخ يخطب وجيوش من العسكر وقيادات الشرطة، وبخاصة أمن الدولة، تحيط بالمصلين من كل جهة.

تنتهي الخطبة ويرجع كل إلى بيته وبطريق العودة تنتهي حالة الانبهار وأبحث عن المحصلة فلا أجد شيئاً؛ لذا وقتها تذكرت حكمة قيلت لي أو قرأتها "إنه كي أسمعك ينبغي أن تخفض صوتك"، ودلالة الحكمة أن الصوت العالي دائماً يخفي عحزاً وقصوراً لدى صاحبه، وأن الصوت العالي والخطب الحماسية تغيّب العقل كما الخمر والمسكرات وتعطل خاصية التفكير التي أودع الله سرها للبشر فقط دون الكائنات، وكما سمعت وقرأت لهؤلاء ابتعدت ببطء عنهم لم أؤمن لهم أو آمن بفكرهم.

الماركسيون والاشتراكيون قوم يغلب عليهم طابع الخوف والقلق دوماً، ويرون أن الدولة بأجهزتها الأمنية ومن ورائها الجماعات الدينية تتبعهم وتناصبهم العداء، وهم محقون في ذلك، فالأولون يترصدونهم، والآخرون يكفّرونهم، وهم على درجة عالية من الثقافة، ويملكون قدرة عالية على التحليل السياسي لأي موقف عادي أو طارئ، لكنها تحليلات تعتمد على فكر وفقه سياسي اشتراكي أو ماركسي، بمعنى آخر أنهم لا يختلفون عن الجماعات الدينية سوى في طريقة التعامل وتقبل الآخر.

قرأت كثيراً لهم (منشوراتهم سواء الصادرة عن الحركات اليسارية أو الحزب الشيوعي المصري)، لغة عميقة، ودلالات ورمزيات كثيرة، تفسيرات غامضة أحياناً، استعداء ضد الدولة دون مبرر، اقتناع لا نهائي بقرب انتهاء الرأسمالية المستغلة وسيادة الفكر الشيوعي، وكما كانوا يملكون قدرة على التفسير لكل شيء في الحياة، عجزوا فعلياً عن تبوؤ مكانة أو تحقيق أي أهداف لهم، ولم أجد لهم وجوداً بالكلية إلاّ على استحياء في ظل وَجَل ورعب وشك مفرط يسيطر عليهم من كل جانب.

مبعث الحيرة أن يستقطبك كل طرف آمراً وآملاً أن تلغي عقلك أو أن تدعه جانباً وأنت في حضرة فكرهم ومعتقدهم.

اعتقدت لفترة أن ثمة خللاً فكرياً يصاحبني، يجعلني لا أميل لمثل تلك الأفكار المنتشرة حولي، والتي يتهافت عليها الزملاء تهافت الفراشات على لمبة ساطعة الإضاءة، لكن كان ثمة هاجس خفي بداخلي يوحي لي بأن الحوم حول إضاءة مصطنعة نهايتها مؤلمة وقد تكون مميتة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.