المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

تثبيت مصر

تم النشر: تم التحديث:

التثبيت كمفهوم لا نقصد به المعنى الدارج والشائع بين المصريين الآن، ويُقصد به "توقيف الناس بالمناطق النائية أو الطرق السريعة بقوة السلاح وتحت التهديد بغرض سرقتهم"، وهي أمور أضحت شائعة في السنوات القليلة الماضية، لعلها تزداد شيوعاً كوسيلة للاسترزاق لبعض فئات صغار اللصوص والبلطجية.

لكن قصدنا عن التثبيت ينصرف عن المعنى الفج، السابق الإشارة إليه، إذ إننا نقصد به سياسات التثبيت والتكيّف الهيكلي، وهي حزمة البرامج والسياسات التي يقدمها صندوق النقد والبنك الدوليان لكل البلدان النامية أو الآخذة في النمو، والتي ساقتها نخبتها وحكّامها وسوء إدارتها لهذا المصير وذلك الدرك.

عندما تتزايد أعباء الديون الأجنبية على الدولة، جراء توسّعها في الاقتراض من الدول والمؤسسات المالية الأجنبية لتغطية عجز موازين مدفوعاتها للسلع والخدمات، ولسد عجز موازنتها العامة، تجد دائماً في الاقتراض حلاً سحرياً ومريحاً يقضي على المشكلة، وإن كان قضاء مؤقتاً، وبمرور الوقت تزداد أعباء خدمة الدين، ويُقصد بها الفوائد المتراكمة على أصول القروض، التي حصلت عليها الدولة خلال فترة زمنية طويلة لدرجة قد تستهلك جزءاً كبيراً من ناتجها القومي المحلي، وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فننوّه بأن الناتج القومي المحلي عبارة عن جملة ما تنتجه الدولة من سلع وخدمات بكامل قطاعاتها المختلفة.

في تلك اللحظة تلجأ الدولة لمزيد من القروض لتغطية عجزها السياسي أولاً ثم الاقتصادي، إلى المؤسسات الدولية للاقتراض من جديد، فتصطدم بطلب شهادة إبراء من البنك الدولي، الذي يحيلها بدوره لصندوق النقد الدولي، لدراسة حالتها، فيقوم خبراء هذا الكيان الدولي المشبوه بوصف روشتة سابقة التجهيز، طبقت مع بلدان كثيرة خلال عشرات السنين الماضية، وأنتجت أثرها في إفلاس هذه الدول وحدوث اضطرابات اجتماعية وسياسية قضت على بنيتها المتماسكة، أسلمت قيادة الاقتصادات المحلية لرأس المال، سواء المحلي الطفيلي أو الأجنبي المستغل.

لا تخرج روشتة أو وصفة صندوق النقد الدولي عن إجراءات محددة معروفة هي:
- تحرير سعر الصرف.
- خصخصة القطاع العام كلية.
- إلغاء قيود الحماية الجمركية أو التخفيف منها.
- فرض ضرائب جديدة وتصاعدية.
- تقليص حجم العمالة في القطاع الحكومي.
- تخفيف العبء عن الموازنة العامة من خلال إلغاء الدعم وتحرير أسعار الطاقة والسلع الأساسية.
- الحد من تدخل الدولة في الأسواق.
- خفض المرتبات والأجور للقطاعين الحكومي والعام.

وتعّرف برامج التثبيت والتكييف الهيكلي بأنها "جملة من الإجراءات والترتيبات التصحيحية الواجب إدخالها على الاقتصادات التي تعاني أزمات هيكلية حادة داخلية وخارجية على حد سواء، وهي كلها إجراءات لا يعنيها من قريب أو بعيد حقوق أو وضع الفقراء والمعوزين من أصحاب الدخول المحدودة، أي أنها سياسات إصلاح اقتصادي لا تهتم بالتنمية الاجتماعية ولا بقيمة البشر، فترتفع الأسعار أكثر جرّاء تحرير أسعار الصرف، وتنتقل فئات وطبقات اجتماعية كثيرة من خانة الستر إلى الفقر.

خلاصة القول: إن خبراء صندوق النقد والبنك الدوليين، ومن لفّ لفّهم من المتفرنجين من أساتذة الاقتصاد الذي يتصدّرون المشهد الاقتصادي في مصر، يتعاملون مع مشكلات الدولة واقتصادها المتهرئ كما لو كانت شركة خاصة، لا تعنيهم الآثار السلبية والتغيّرات الحادة بالمجتمع المصري نتيجة التطبيق المجحف لتعليمات المؤسسات الدولية.

نعي أن مصر تواجه مشكلات اقتصادية مزمنة، لكن ما نعيه أكثر أن هذه المشكلات لم تكن أبداً من صُنع الفقراء، بل صنيعة وخطيئة النخبة الحاكمة خلال عشرات السنين، ثمرة طبيعية لتجارب سياسية ومغامرات اقتصادية فاشلة، وندرك -ومعنا الجميع- أن فقراء البلد هم دافعو فاتورة الفشل السابق وضحايا التجربة الحالية لروشتة صندوق النقد والبنك الدوليين.

ويغيب عن هؤلاء تماماً استحالة حدوث إصلاح اقتصادي حقيقي ما لم يكن مصحوباً بتنمية اجتماعية شاملة، ويتجاهلون عن عمد وضع الفقراء وتأرجح الطبقة الوسطى بالمجتمع، ويغضون الطرف عن ردود الأفعال العنيفة المتوقع جرّاء استمرار الضغط نتيجة ما تخطه أيمانهم من سياسات وبرامج، يراهنون على صبر الناس وقدرتهم على التحمّل، وقد جهلوا التاريخ ومآسيه وركنوا لقراءة وحفظ أفكار آدم سميث وباقي غلاة الفكر الرأسمالي.

هؤلاء بحق يعملون على "تثبيت" مصر، لكن بمنظور التثبيت على الطريق الدائري أو بزوايا الشوارع بعد منتصف الليل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.