المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

التعليم المفتوح في مصر

تم النشر: تم التحديث:

ترجع بدايات نشأة فكرة التعليم المفتوح إلى بريطانيا في ستينات القرن العشرين؛ حينما تأسست الجامعة المفتوحة على يد حكومة حزب العمل، برئاسة هارولد ويلسون، رئيس الوزراء وقتها، وبدأ التخطيط للفكرة عام 1965، وتأسست بشكل كامل عام 1969، وتم تسجيل أول طلبة مستجدين بالجامعة المفتوحة عام 1971، وكان لها مراكز إقليمية تابعة لها في كل من فروعها الثلاثين في جميع أنحاء المملكة المتحدة.

لذلك قامت فكرة التعليم المفتوح على فلسفة إتاحة مجموعة من البرامج الدراسية الجامعية؛ لتتخطى حدود الزمان والمكان، وتتناسب مع متطلبات وظروف الدارسين وحاجة سوق العمل، ولا يشترط للقبول بها الحصول على مؤهل دراسي معين، سواء في المرحلة الثانوية أو المرحلة الجامعية.

أهداف التعليم المفتوح دارت حول:

توفير فرص التعليم لكل إنسان، مع إمكانية استكمال فرصة التعليم الجامعي، لمن لم يستطِع مواصلة الدراسة سابقاً، وأخيراً محو الأمية.

القصد أن الجانبين التربوي والتنموي يقفان وراء نشأة وتطور التعليم المفتوح، سواء في بريطانيا أو سائر بلدان العالم المتقدم فيما بعد، والتي نسخت التجربة البريطانية بشيء من التعديل والتطوير؛ لتتناسب مع ظروف مجتمع كل منها، مع وجود قواعد وأسس منهجية تستقر عليها بنية التعليم المفتوح، وليس من بينها الربح، أو العامل المادي بصورة مباشرة.

وطبيعي أن يكون مرتادو التعليم المفتوح من الفئات الأقل حظاً في التعليم العادي، والأقل فرصة للوصول للتعليم الجامعي التقليدي، وربما الأقل دخولاً مادية، وهم فئة أو فئات ابتعدت كثيراً عن نظم التعليم التقليدية وضوابطه المستقرة المتعارف عليها.

لذا فالتعليم المفتوح كان -ولا يزال- عاملاً من عوامل تحقيق الاستقرار المجتمعي بين طبقات المجتمع الكبير، وطريقة جيدة لتمرير الأيديولوجية والسياسات التي يرتكز عليها بنيان المجتمع، وأداة للترقي المعرفي والعلمي والوظيفي، وهو -أي التعليم المفتوح- تعزيز للحق في التعليم عامة والجامعي بخاصة لكافة طوائف الناس بالمجتمع.

ما سبق يحدث ببريطانيا وبلدان العالم التي تأخذ بالتعليم المفتوح، عدا مصر؛ حيث لم نعرف معياراً محدداً لوجود هذا النظام، ربما نشأ أو أُنشئ تقليداً لنمط غربي وافد من الخارج، أو ربما كان من باب الوجاهة السياسية أمام العالم، ومن ثم نشأ هذا النظام التعليمي بمصر مشوّهاً منذ البداية، وأصبح منفذاً للوصول لورقة رسمية بالحصول على مؤهل عالٍ -بوابة خلفية- حيث يدخل الطالب -على فرض صحة المسمى- ثم يخرج منه بورقة رسمية مقابل بضعة آلاف من الجنيهات مع محتوى تعليمي وفكري يقترب من الصفر.

التعليم المفتوح بمصر كان مصدراً للسبوبة "بالمعنى الصريح للكلمة رغم سوقيتها"؛ إذ إنه منفذ للوصول للشهادات الجامعية في تخصصات كثيرة، فقدت بريقها ومعناها فعلياً في سوق العمل.

"سبوبة" للكوادر الأكاديمية العاملة، فهو أصبح مصدر رزق لهم، على حساب التعليم الجامعي التقليدي، كما أصبح أيضاً مصدراً للتمويل الداخلي للجامعات التي تتبنى هذا النوع من التعليم، إذ وجدت الدولة فيه مخرجاً كبيراً لتعويض عجز الموازنة العامة، من خلال إلقاء العبء على الجامعات؛ للحصول على مصادر تمويل خاصة بها.

وحتى اللحظة لا نجد دراسات موضوعية لتقييم مناهج أو مخرجات التعليم المفتوح بمصر، لدرجة أنه أصبح مشكلة ضمن مشكلات كثيرة نخلقها بأيدينا، لا نجد لها مخرجاً ولا حلاً؛ لذا لا غرابة أن تضطرب الرؤية لدى القيادات الجامعية بمصر، ومن قبلهم كبار المسؤولين، حول جدوى استمرارية هذا النوع من التعليم.

فعندما يفتقد هؤلاء الرؤية السليمة والغاية من النظام، يختفي الفارق بين استمراريته أو اختفائه، وتنعدم الأهمية.

النتيجة أن التعليم المفتوح بمصر أطاح بما تبقى من مصداقية أكاديمية للجامعات التي تعمل عليه أو تتبناه، وانتقص في النهاية من قيمة المُخرج الجامعي المصري في سوق العمل بالداخل والخارج، والمؤكد في النهاية أن تكلفة استعادة المصداقية والثقة في الشهادات الجامعية المصرية ورأب التصدعات التي حدثت بالتعليم الجامعي على المستوى القومي جرّاء تفشي نظم التعليم المفتوح المشوّهة تتجاوز كثيراً ما حصلّته الدولة من إيرادات؛ لتظل المشكلة الرئيسية قائمة وشاهدة على كم الخيبة.

فهؤلاء المسؤولون عن ضياع مصداقية التعليم الجامعي التقليدي، أو التعليم المفتوح، سيكونون هم المسؤولين عن علاج الآثار السلبية والتبعات الناجمة.. رغم أننا نعلم يقيناً أن فاقد الشيء لا يُعطيه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.