المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

بوعزيزي.. وأثر الفراشة

تم النشر: تم التحديث:

خفقة واحدة من جناح فراشة في مكان ما قد تؤدي لتداعيات وسلسلة من الأفعال وردود الفعل، قد تصل لدرجة الكارثة أو تقاربها في مكان آخر، كما أن الحدث الصغير رغم تفاهته قد يُحدث تبعات جساماً، لدرجة تصح معها مقولة "لو علمنا الغيب لاخترنا الواقع"، تلك هي ببساطة الفكرة الرئيسية لنظرية "أثر الفراشة"، وتعني ببساطة أن أي متغير مهما صغر حجمه أو قل شأنه له تبعات وآثار لا نعرفها حق اليقين إلا بعد فترة طويلة.

التداعيات التي نراها الآن بمنطقة الشرق الأوسط وقد تمتد آثارها للعالم بكامله، كما لو كانت موجات عملاقة متلاحقة ومتلاطمة تضرب في كل اتجاه، فقد انطلقت الشرارة الأولى بمتغير صغير وحدث أصغر، بدأ الفعل في تونس، بصفعة تلقاها الشاب "بوعزيزي" صبيحة يوم 17 ديسمبر/كانون الأول عام 2010 من أحد رجال الأمن (ودون أن ندخل في تفصيلات الواقعة التي تحدث لعشرات الآلاف من المواطنين بأرجاء العالم العربي على أيدي رجالات السلطة)، قام "بوعزيزي" بإحراق نفسه يأساً أو إحباطاً أو بتأثير الإحراج والإهانة، التي تلقاها من شرطية، قوة وتأثير الميديا وقتها لا يمكن إغفالها، فقد كان لها دور المحفّز والمسّرع للأحداث التي توالت بداية من تونس، ثم مصر، وليبيا ثم سوريا.. كثورات نعتبرها أقرب للثورات، أو ثورات منقوصة غير مكتملة، ثم سرعان ما انتشرت آثارها كموجة عملاقة أخذت تضرب ولا تزال بلدان العالم أجمع، وإن كانت ضرباتها تتفاوت قوتها وحدّتها.

لكن يظل السؤال الافتراضي الخيالي كما هو: ماذا لو؟!
ماذا لو..
لم يخرج المواطن التونسي "بوعزيزي" من بيته في ذلك اليوم؟
لم يلقَ الصفعة الشهيرة من الشرطية التونسية؟
لم يغضب بوعزيزي غضباً شديداً فلم يحرق نفسه على الملأ؟
أو ماذا لو كان موته طبيعياً؟

لنتخيل السيناريوهات الحادثة الآن على النحو التالي (الصورة المغايرة):
ما هرب "زين العابدين" تاركاً الحكم وتونس، ليصبح لاجئاً فيما بعد رهن الإقامة الجبرية.. وما كان ليقول قولته الشهيرة بعد عشرات السنين في الحكم "الآن فهمتكم".

ما قامت ثورة يناير/كانون الثاني 2011 (في موعدها)، ولا تنحّى مبارك، وما كان المجلس العسكري وطنطاوي ليحكم مصر فترة زادت على العام.. وما كان مرسي والإخوان ليظهروا في الصورة ويعتلوا سدة الحكم في مصر عاماً كاملاً، وما قامت ثورة يونيو/حزيران 2013 وما تلاها من أحداث وحوادث.
وما أصبح الوضع في ليبيا كما نراه.. وما تقاتل اليمنيون وانهارت دولتهم.. وما كانت داعش لتظهر وتعيث في الأرض فساداً وقتلاً.. وما كان ليحدث ما يحدث الآن في سوريا.. وما كان أهلها مشتتين ومشرّدين بالصورة التي نراها..

حادثة واحدة رآها البعض تافهة، والغالبية لم تقدّرها حق قدرها جهلاً بها أو اعتياداً لوقوعها، وتحت وطأة الحدث، تداعت الأحداث وتصاعدت وتيرتها، فانهارت المنطقة بكاملها، ولا تزال سلسلة الأحداث تتوالى كأفعال وردود أفعال كما لو كانت تسلسلاً انفجارياً نووياً، علمنا البداية الآن، ونعكف على قراءة وقوع الحدث، لكننا لا نعرف كيف هي النهاية.

لعل السؤال يحتاج لصياغة جديدة مرّة أخرى: لو لم يظهر "بوعزيزي" هل كانت المنطقة ستظل على حالها قبل 2011؟! أم أن المتغيّر كان سيقع بصورة أو بأخرى عاجلاً أم آجلاً؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.