المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

هل هي مؤامرة بحق؟!

تم النشر: تم التحديث:

قامت بعض الدول بإلغاء اعترافها بالتعليم الجامعي المصري، وأخرى بدأت في رفض شحنات الفاكهة والخضر الصادرة إليها بدعوى عدم صلاحيتها للاستهلاك وفق معايير وضوابط خاصة بها ويعلمها التجّار والمصدّرون، بينما أخرى تتوجس قلقاً وخيفة من نظم الأمان والأمن بمطاراتنا المدنية؛ لذا تمنع مواطنيها من القدوم للمناطق السياحية، وهكذا نصل لقناعة بأن العالم أغلبه إن لم يكن جميعه يتآمر علينا.

الكل يبحث عن حقوق مواطنيه وعمّا يحقق سعادتهم وأمنهم وصحتهم، في السياسة لا مشاعر ولا عواطف فقط حسابات المصالح والخوف من قدرة الناخبين المواطنين على تغيير قواعد اللعبة ونظم الحكم السياسية بسهولة، لكننا وبدلاً من البحث في جذور الأزمات والعلّة من استمرارها عقوداً طويلة، نركن للتفسيرات السهلة التي لا تقضّ مضجع الكبار ولا تستدعي منهم تفكيراً ولا إعمالاً للعقل والمنطق؛ لذا كان في "نظرية المؤامرة"، حل مريح سهل يمكن الارتكان إليه لإنهاء معضلات ومشكلات تستدعي تفكيراً فيها أو حيالها، وملكة أو فضيلة التفكير لا يقدر عليها القائمون على الأمور بمختلف المجالات ما بين تعليم أو سياسة أو اقتصاد، فليس أيسر إذن من البحث عن سبب غامض يقع خارج نطاق صلاحيتنا ولا أسهل من الأخذ بالمؤامرة.

و"المؤامرة" تستدعي أيضاً أن تتكاتف الجهود والطاقات وأن يُخصص هؤلاء وقتهم النفيس في التخطيط والتدبير ثم التنفيذ والمتابعة لإيقاع الأذى والضرر بنا، ثم نعلم ما يفعله هؤلاء ونشاهد وننتقد ونلقي باللوم عليهم وكأننا فئران تجارب في أقفاصها.

"المؤامرة" منهج سقيم والأخذ به يكشف علّة متأصلة في أجيال متعاقبة قادرة الآن وحاكمة ومتحكمة في كل شيء، وهي أيضاً علّة تشي بأن الفشل فيما نفعله له أسباب، خارجة دوماً عن سيطرتنا وقدراتنا، وأننا لم نُقصّر في شيء، كل ما هنالك أن هؤلاء المتآمرين القابعين في الظلام يتربصون بنا.
و"نظرية المؤامرة"، بالتعبير العلمي المنمّق أو الشماعة بحسب التعبير الدارج، كلاهما وجهان لعملة واحدة، البحث عن مبررات لأخطائنا، وفلسفة الفشل الداخلي بردّه لعوامل خارجية أو قوى غاشمة تترصّدنا وتتعقبنا كأفراد أو كدولة.

نظرية المؤامرة، حل مريح، سهل، نركن إليه، تجّنباً للغوص في أعماقنا وخشية مواجهة خيابات اختياراتنا، وعلى فرض أن ثمة مؤامرة، فهي نتاج ما نفعله نحن وبأيدينا أو ما نقوم به تطوّعاً، ثم نترك للغير من الخصوم استغلال وتوظيف ممارساتنا وتصرفاتنا الخرقاء التي يغيب عنها العقل والمنطق ويحل بدلاً منها الهوى والجموح.

لم نجد يوماً تحليلاً رصيناً لمشكلة ما تؤرقنا، ولم نجد منهجاً علمياً نحتكم إليه لمواجهة ما يعصف بالمجتمع من مشكلات، فقط رأينا اختيارات سيئة للقيادات والمسؤولين، وإهداراً منّظماً للموارد والطاقات بمختلف أنواعها.

و"نظرية المؤامرة" شمّاعة نلجأ لها بمراهقة سياسية، وكأن العالم ترك مشاغله واهتماماته، وريادته وتفرّغ لنا يتربص بنا على النواصي ورؤوس الشوارع، وهي تعني على فرض سيادة المفهوم ورواجه بين المسؤولين، أن هؤلاء لا يدركون حجم الدولة (على فرض ثبات الحجم ووجوده حتى الآن) ويعني أيضاً أنهم وعلى أيديهم يتم تقويض أركانها بوهم المؤامرة، فالمؤامرة في عقولنا، ونحن من نتآمر على أنفسنا.

لدرجة نحسب أن "عدوّنا ذلك القابع بعيداً والمتربص بنا دوماً والتارك لمشاغله متفرّغ لنا" لم يكن ليجد فرصة أيسر مما نفعل نحن بأنفسنا، ولعله هو غيره قد التفت لما هو أهم، وذهب لما يشغله عنا وتركنا نحن وشأننا فنحن أقدر وأجدر منه على هدمنا وتحطيمنا، فهنيئاً له ما نفعله نحن بأنفسنا.