المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

وشم القدر

تم النشر: تم التحديث:

2017-10-13-1507900474-3674523-.jpg

"وشم القدر"
للقاصة الأديبة: سعاد الزامك
الناشر: مؤسسة الكرمة للتنمية الثقافية والاجتماعية - القاهرة

====

تمهيد
قيل: "تكمن صعوبة القصة القصيرة جداً، في أنها تحتاج إلى تكنيك خاص في الشكل والبناء، ومهارة في سبك اللغة واختزال الحدث المحكي، والاختصار في حجم الكلمات المعبرة عن الموضوع، تثير الاندهاش والروعة الفنية، فهي تحتاج إلى مهارة كاتبها، وهذه المهارة نابعة من المخزون الثقافي للكاتب كي يكون مؤهلاً لكتابة قصة قصيرة جداً، وطالما كانت بهذه الصعوبة وبهذه المواصفات، فلا بد أن يكتبها كاتب متمرس باللغة، وقاصّ بارع في البلاغة، ومتقن للغة الشعرية، باختصار، ليس من المنطقي أن يخوض هذا الفن المعقد كاتب مبتدئ، يرى في القصة القصيرة جداً بديلاً سهلاً عن القصة القصيرة أو الرواية".

"وشم القدر"

فإن وجدت "قاصة" امتلكت مفردات اللغة ومهارة الصياغة والخيال الأدبي واسع النطاق، ويُضاف لذلك خط فكري تُصّر عليه إصراراً، فإن الحديث ينصرف للقاصة الأديبة الرائعة "سعاد الزامك".

لا أزعم أني على دراسة بأسس وقواعد النقد الأدبي عموماً والقصة القصيرة على وجه الخصوص، لكنيّ تتبعت منذ معرفتي بنادي أوتار للقصة كل ما كانت تنشره "سعاد الزامك" أو تلقيه على مسامعنا في ندوات القصة الشهرية، فوجدت تمّيزاً لا يمكن إنكاره وإبداعاً لا يخطئه العقل.

حتى وصلت ليدي مجموعتها القصصية الأخيرة "وشم القدر" وتقع في مائة صفحة تقريباً، وتحوي 34 أقصوصة، وقد وجدتها صادقة فيما ذهبت إليه في مقدمتها وعنوان ما كتبت "لا شيء بحياتنا يمرّ هكذا دون أن يضع القدر بصمته ووشمه عليه، فالحياة تقفز بنا مرة وتهبط بنا مرة أخرى، ونحن بين هذا وذاك نحاول أن نتعايش".

هكذا أوضحت "الزامك" دون مواراة مقصدها من مجموعتها القصصية، فهي في النهاية بصمات وضعتها بإرادتها أو جبراً بطريقها الحياتي أو وشوم دمغها القدر بتصاريفه كما يفعل معنا جميعاً ولا نملك حياله شيئاً.

وألزمت نفسها بالحكي والكتابة عن ذلك الصراع الأبدي بين مَن يرغب في السيطرة بعنفوان وبضغط مجتمعي أو موروث ثقافي ومَن يعيش عمره كله للفرار من قدر يراه ظالماً له أو يراه من صنع البشر فقط.

وقد استلهمت "القاصة" كثيراً من مفردات الموروث الديني، ولعل خطها الفكري في النهاية يخضع لمبدأ نخضع له جميعاً ولا نملك منه فكاكاً: "وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ"، بالفعل هي بضاعتنا تُردّ إلينا إن عاجلاً أو آجلاً.

وأزعم أن "الزامك" تؤمن أن معالجة العوار المجتمعي في العلاقة المضطربة بين الرجل والمرأة هي أولى الخطوات الناجعة للرقي الإنساني أولا وللتنمية بشتى صورها ثانياً، فمن يظلم من الطبيعي أن يكون عُرضة لظلم غاشم من قوى أكبر منه، وكأن الظلم هنا كأس نتجرعها حتى الثمالة بعد أن أجبرنا شركاؤنا على تجرّعها قهراً.

وقد أسررت لها من قبل أنها بإرادتها أصبحت أسيرة مهارتها اللغوية الفريدة ونسقها الفكري الذي تنطلق عبره دون هوادة، فكل أقصوصة بـ"وشم القدر" بداية من "أيكة العاشق" ونهاية بـ "وشم القدر" يربطها جميعاً توجّه واحد تسير "القاصة" وراءه، وهمّ فكري تحمله على عاتقها، ومن عجيب أنها ختمت مجموعتها بأقصوصتها "وشم القدر" التي اتخذتها عنواناً لذات المجموعة وكأنما تُجبرنا من حيث لا تدري أو ندري نحن على تتبع آثارها داخل مجموعتها.

ولا ريب أن "الزامك" كتبت مجموعتها كعادتها بمتعة داخلية انعكست بقوة على الصياغة، فلم أملك قدرة على الفرار دون تكملتها، كما أن تفرّدها اللغوي أجبرني على التعاطي مع المفردات والمعاني بتأنّ وصولاً للكامن بين السطور.

ولا أزعم قدرة على الإحاطة بمجموعتها كاملة، فكل أقصوصة بحاجة لدراسة مطوّلة، لكن انتابتني رغبة في تدوين ملاحظات بسيطة عن رؤية قاصرة من جانبي، لعمل أدبي أراه متفرّداً بين أقرانه كتميّز صاحبته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.