المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

الفرقة الموسيقية

تم النشر: تم التحديث:

"إذا كانت ثمة شكوك حول حيادية البحث العلمي، ونزاهة فروض البحث عموماً، فمن العبث الحديث عن حيادية الميديا، أو الإعلام بشتى أدواته".

لطالما أُعجبت كثيراً بطريقة عمل الفرقة الموسيقية، ومدى التناغم بين أعضائها؛ إذ يعزفون بمهارة، كلّ على آلته الموسيقية، بتوافق غريب ومدهش، "عزف" يعكس مهارة وقدرة أكبر للمايسترو "القائد" واتفاق العازفين على اللحن بداية ونهاية.

وهكذا تسير الفرقة وتعزف لحنها للمستمعين، سواء للحضور المباشرين أو عبر الأثير، ويجتهد كل عازف في ألا يشذ بعزفه عن النغمة الرئيسية السائدة، وإلا كان مصيره الطرد، وقبل ذلك وقوع اللحن الأصلي، وانهيار الفرقة كلها، وهو ما لا ولن يسمح به المايسترو أو العازفون أنفسهم.

على أن الدهشة تعتريني بشكل خاص حيال لحظة بدء العزف، تلك اللحظة الزمنية التي تتوافق فيها إرادة ومهارة العازفين جميعهم وعيونهم معلّقة على عصا المايسترو في الهواء؛ ليبدأ العزف جماعياً، ولعلني لا أبالغ في القول إن المهارة ليست في استمرار عزف اللحن، أو اختيار لحن بذاته، لكن في لحظة البدء، القرع على آذان المستمعين وأفئدتهم وتهيئتهم للحن، واقتناعهم بعزف الفرقة الموسيقية، بغض النظر عما بعد من رداءة اللحن أو العزف، طالما كانت المهارة متوافرة، والإرادة تقف وراء اتفاق العازفين والمايسترو معاً.

وأزعم عن رأي شخصي ومشاهدات فردية أن كثيراً، إن لم تكن غالبية الميديا، ومن قبلها أجهزة الاستخبارات، تعمل جميعها بنفس المبدأ، وتسير على ذات الوتيرة، فدائماً هناك "مايسترو"، أحياناً نراه في العلن، وغالباً مستتراً بالظلام، دائماً هناك غاية لأي لحن يتم عزفه على المستويات الإعلامية محلياً أو قومياً أو دولياً، وقوة اللحن ومصداقية العزف تُجبران الجمهور على التصفيق، ومن الألحان ما يأخذ بالعقول، وعن صدق إن كان من البيان لسحر، فالعصر الحالي، عصر سحر العزف؛ لتصح المقولة بعد التعديل: "إن من الألحان لسحراً".

تبدأ الفرقة في العزف على لحن يتم اختياره بعناية، فتنطلق الجوقة أو فريق العازفين، وقد لا يجتمعون في مكان واحد، يعزفون نفس اللحن بنفس المهارة وبنفس المصداقية؛ لُيسحر عقول العامة، ويأخذ بألباب الجمهور، أو ليزرع عمداً أفكاراً أو اتجاهات، وهكذا لم يعد ثمة فارق بين الفرقة الموسيقية التقليدية وبين العزف الإعلامي أو السياسي.

الهجوم المباغت والمفاجئ، سواء على رمز سياسي أو رجل أعمال، أو دولة أو موقف ما، أو إلقاء الضوء فجأة على قضية كانت تحت الثرى، أو بعث ميت من قبره، أو النبش سياسياً في نزاع استقر... أمثلة عديدة على حالات لا تخضع للحصر، يبيت الناس ثم يستيقظون على قضايا جديدة تأخذهم بعيداً، تثير العداوات أو الأحقاد، أو تؤجج القائم منها، أو تهدئ من روع الجمهور حيال مصيبة مقيمة بين ظهرانيهم.. كل ذلك وغيره من أعمال الفرق الموسيقية السائدة على السطح، كلها تشي بمهارة وقدرة المايسترو، سواء أكان فرداً وهو أمر نادر، أو أجهزة أمنية وهو الغالب عموماً، فهؤلاء يعون جيداً ما يفعلون، ونحن كجمهور لا نعي ولا ندرك إلا ما يُراد لنا أن نراه أو نعرفه.

الخلاصة أن هجوم الميديا المنظّم المفاجئ، سواء من فضائيات أو مواقع تواصل اجتماعي أو صحافة إلكترونية أو جرائد مطبوعة أو غيرها، يعكس طبيعة العزف الموسيقي ونوع اللحن، ويؤكد حجم وطبيعة التنسيق والتناغم الآن بين الميديا والاستخبارات، أو أجهزة الأمن بصورة عامة، وهكذا تندلع الحرائق أو تنطفئ وفق مشيئة المايسترو، وكما يبدأ الهجوم لتكسير العظام والتشويه، فإنه يبدأ أيضاً لتخفيف الضغط والإلهاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.