المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود حمدون Headshot

" ترانيم - ج 10 "

تم النشر: تم التحديث:

عين السمكة

عيناك كعيني سمكة قرش.
* ضحك من قولها ثم شرد قليلاً وعاد ليسألها أذمّ هذا أم مدح؟
باردتان لا حياة بهما، لا يمكن الالتفاف حولهما لمعرفة ما بداخلك، تُجهد مَن يلقاك أو يحادثك فلا يرى منك إلا ما تبديه من مشاعر تصطنعها..

* ندّت عنه ابتسامة مبتسرة وكأنما نكأت جُرحاً عميقاً بداخله، وقال لها: أمقت كثيراً مَن يجعلني مادة لتحليله النفسي، وإذ فرضت صحّة تفسيرك، فقد علمتِ ما أخفيت عن نفسي والناس أجمعين، فإمّا أن أخشاك لخطر ينساب من عينيك يخترقني من الداخل، أو أنيّ واضح ويقرأني المارة بسهولة.

ضحكت بطفولية، وقالت: كأنك تحيط نفسك بلوح زجاجي معتم، وتعتقد أنك ترى الناس ولا يرونك، وربما أتمكن يوماً من تحطيم هذا اللوح لتواجه العالم الرحب على اتساعه.

* متأففاً وقد بلغ به الضيق أفقاً بعيداً: من أنت؟

اتسعت ضحكتها، واختف هاربة من أمامه، فانطلق وراءها ليصطدم بجدار زجاجي شفاف ويسقط مغشياً عليه.

الوعي

إلى أين؟
* إلى حيث تقودني قدماي.
أخرجت في هذا الوقت المتأخر ولا تعلم لأين؟
* ما أقسى تصورك، فقد خرجت بالفعل وخروجي عن وعي ورغبة أكيدين وعزم لا يلين، لكن إلى أين؟ لست أدري.
لم أرغب بسؤالي أن أتطفل عليك.
* أدري وأشكرك على اهتمامك.

بداية جديدة

عرجت لزيارته بعد سنوات طويلة من الانقطاع، ودار ببالي أن الحال سيكون عليه، وأن الجميع كما هم فلم أشهد عليهم تغيراً من قبل، كما لم نسمع بضرر أصابهم.

طرقت الباب وانتظرت قليلاً؛ لأسمع ثقل خطوات تأتي وتقترب حثيثاً، ثم أطل وجه امرأة عجوز افترس الزمن وجهها بأنيابه ومخالبه، فأصبحت شاهدة على قسوته بالحياة.

فاجأتني بسؤالي عن أحوالي، كمن تعرفني من قديم، ولما بانت على وجهي آيات من السذاجة والحيرة، عرّفتني بنفسها فبادرتها مستغرباً عّما آل إليه حالها، فقالت: قاتله الله وأراني فيه يوماً أسودَ، هو سبب كل ما أصابني من عنت.

فكررت سؤالي: مَن تقصدين؟ مَن هو؟ مَن فعل ذلك بك؟
قالت وكأنما تحادث نفسها ولا تراني: مَن كنت أراه أملاً فأحال حياتي يأساً، مَن توسمت أن يأخذ بيدي لبداية جديدة فقادني لمشارف القبر وهاوية الهلاك، ثم صكت الباب بوجهي.

الممثل

ممثل عظيم الشأن بلغ القمة بأدائه الساحر، ينطق فتصدقه وتُنكر المنطق وتدع العقل بجوارك، ومن عجب أن تمثيله كان وليد بيئة وفطرة جُبل عليها فلم يتصنع في يوم، ولم يكرر جملة أو مشهداً..

أذكر مقولة خالدة له: كن طبيعياً وآمِن بما تقول كأنه الصدق وتعايَش مع كذبك حتى تتنفسه كالهواء وحتى تتشرّبه نفسك، فاليوم لا فارق بين الصدق وغيره، فقد تداخلت الخيوط وأصبحت الغيوم على أشدها، فلا تتمسك بوهم ربما تفيق يوماً على غيره.

وقد بلغ تمثيله مداه حينما تقمّص ذات ليلة شخصية غامضة غرق في ثناياها، ولم يتمكن من الخروج.. وقد رأيته يجاهد في الفرار دون جدوى، وقد طفرت الدموع من عينيه، والناس من إعجابهم بأدائه في ذهول وتصفيق مستمر.

المناديل

ذكّرني منظره وحمله الثقيل فوق كتفيه، بتُجّار الأقمشة قديماً؛ إذ كانوا يجوبون الحواري والشوارع يحملون بضاعتهم على أكتافهم، بوجوه مرهقة من التعب، ممزوجة بحرارة الصيف أو قسوة الشتاء، وقد ظننته أحدهم لا يزال يمارس عمله القديم، فاستغربت وقررت أن أتبعه لأرى ما يفعل.

كان يسير أمامي يئن من حمولته، ويتمتم بصوت مسموع بآيات من الذكر الحكيم تعينه على مشقة الطريق، قطع شارع "البوسطة" بكامله حتى وصل لسوار البحر، ثم وضع حمولته على الأرض وشرع يُخرج ما بها، كانت مناديل من القماش الزاهي ومختلف الألوان، وقام بنشرها بطول السوار الحديدي ولمسافة بعيدة، فبعثت ألوانها بهجة غامضة في نفوس المارة.

اقتربت منه وفضول بداخلي يكاد يقتلني، وسألته عماّ يفعل، أجابني بفتور: تلك مناديل من القماش الملوّن كما ترى.
وماذا تفعل بها؟
* أنتظر عودة من مضى وغاب منذ قديم فربما يظهر من جديد!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.