المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود جمعة محمد Headshot

السلطة والتلاعب بالرأي العام

تم النشر: تم التحديث:

لا يمكن لأي سلطة أن تنجح أو تستمر بدون كسب تأييد الحد الأدني من الرأي العام لقرارتها وأفكارها، أو على الأقل الوصول بالرأي العام إلي حالة الحياد التي تجعله يستكين ويتقبل القرارات والأفكار التي تُمليها القيادة بمختلف مستوياتها.
مع اختلاف تعريف المفكرين والكتاب للرأي العام، إلا أن القاسم المشترك بين هذه التعريفات هو أن الرأي العام هو الرأي الغالب بين المجتمع على ما دونه من آراء وقناعات.

تقسيمات الرأي العام

هناك تقسيمات وتصنيفات متعددة للرأي العام ولكن التقسيم الأهم من وجهة نظري هو التقسيم حسب التأثير، فينقسم الرأي العام إلى ثلاث فئات هي:

1-الرأي العام القائد أو الموجَّه:

وهي الفئة النافذة والمتعلمة التي ينقاد إليها العوام من المجتمع. وهذه الفئة تملك من العلم ببواطن الأمور، ما يجعلها قادرة على توجيه قناعات الجماهير وتسييرها في اتجاهات معينة دون غيرها.

2-الرأي العام المثقف أو المتعلم:

وهي الفئة المثقفة القارئة التي تستوعب المعلومات وتقوم بتحليلها، ولكنها تتأثر بآراء الفئة الأولى في المواقف الضبابية وغير واضحة المعالم.

3-الرأي العام المنقاد (العوام):

وهو يمثل السواد الأعظم من الجماهير التي تكون هدفاً لإعلام السلطة، ويتم توجيه المحتوي الإعلامي لها بشكل منظم للحصول على تأييدها.
هناك ثمة ملاحظة على التصنيف السابق، وهي أن الفئة الثانية -والتي تمثل الرأي العام المتعلم- لا تستطيع دحض الأكاذيب التي قد تأتي من الفئة الأولي -وهي فئة الرأي العام القائد- في حال ضبابية الموقف أو نقص المعلومات وتتأثر -وإن كان بدرجة متفاوتة- بآراء تلك الفئة.

أساليب التلاعب بالرأي العام

تتعدد الأساليب المستخدمة من قبل السلطة للتلاعب بالرأي العام لعل أهمها:

التكرار أو الملاحقة:

يُعتبر هذا الأسلوب أحد الأساليب الشائعة الاستخدام سواء قديماً أو حديثاً. ويُعتبر هذا الأسلوب أسلوب الدعاية الرئيسي لألمانيا النازية وقد عبر عنه جوزيف جوبلز -وزير الدعاية النازي- بقوله "إن سر الدعاية الفعالة لا يكمن في إذاعة بيانات تتناول آلاف الأشياء، ولكن في التركيز على بضع حقائق فقط وتوجيه آذان الناس وأبصارهم إليها مراراً وتكراراً".

وهذا وضح جلياً في تركيز الدعاية النازية على نقاء العرق الآري وتميزه على باقي الأعراق وأحقيته بالقيادة والسيادة.

وما زال يُستخدم هذا الأسلوب حتى يومنا هذا فنجده على ألسنة الأنظمة في مواجهة معارضيها؛ فلا تفتأ أجهزة إعلام الأنظمة الديكتاتورية بوصف المعارضة بأنها عميلة ولها أجندات خارجية، كما يُستخدم أيضاً في الأنظمة الديمقراطية فتصف منافسيها بالفشل وبعدم جدوي أطروحاتهم السياسية والاقتصادية.

اللعب على الوتر العاطفي:

وهذا الأسلوب تلجأ إليه وسائل الإعلام لتحقيق وبث أفكار لا يقبلها المنطق السليم فتلجأ إلى العاطفة من منطلق أن الإنسان إذا غلبته عاطفته تجاه موضوع معين فإنه لا يستطيع التفكير بشكل عقلاني منطقي سليم حيال ذلك الموضوع. ويعتمد هذا الأسلوب على تعظيم أفكار عنصرية لدي الجماهير مثل الافتخار بالذات والشعور بالاستعلاء لشحن الجماهير للقيام بأعمال عدوانية تجاه شعوب أخري وهو ما كان يفعله "هتلر" ووزير إعلامه "جوزيف جوبلز"، وكذا تفعله الأنظمة الطائفية والعنصرية لشحن الجماهير تجاه قمع وسحق الطوائف الأخري المخالفة.

ولعل أحد أوضح الأمثلة على استخدام وسائل إعلام الأنظمة الديكتاتورية لهذا الأسلوب؛ لتبرير القمع والفساد هو اللعب على وتر توفير الأمن والاستقرار للمواطن واستغلال حاجته الفطرية نحو الإحساس بالأمن لدفعه بالقبول أو على الأقل جعله في موقف الحياد تجاه ما يجري من تصرفات قمعية من قبل السلطة تجاه المعارضين.

التبرير:

وهو أسلوب تلجأ إليه السلطة لتبرير أي إخفاقات أو انتكاسات تواجهها. ومثال ذلك هو خروج إعلام النظام الناصري بعد هزيمة م1967 لتبرير ما حدث بأنه مجرد نكسة أو كبوة جواد، وأن إسرائيل لم تكسب الحرب طالما أن نظام عبدالناصر ما زال مستمراً بادعاء أن هدف إسرائيل الرئيسي كان إسقاط النظام الناصري وهو ما لم يحدث.

وعادة ما تستخدم السلطة كُتّاباً أو أشخاصاً مقربين منها ليتحدثوا بالنيابة عنها للجماهير، ويكون ذلك عبر لقاءات تلفزيونية أو مقالات صحفية تنشر على لسان شخصيات معروفة للمجتمع. وهو نفس الأسلوب الذي تستخدمه الأنظمة العربية المتعاقبة منذ أكثر من ستين عاماً؛ لتبرير الكوارث والفشل المتراكم، بادعاء أن الفشل يُوجد في كل دول العالم حتى المتقدمة منها، وهدف السلطة من ذلك هو التغطية على فشل النظام في إدارة الأزمات والتغطية على الفساد المستشري بين أركانه.

التشتيت وتحويل الانتباه:

ويُعد أنجح الأساليب المستخدمة في العصر الحديث من قبل الأنظمة الديكتاتورية لمواجهة نمو فئة الرأي العام المتعلم؛ فتعمد وسائل الإعلام الموالية للسلطة إلى سياسة تشتيت الرأي العام وتحويل انتباهه لقضية جديدة.

وهو أحد أكثر الأساليب شيوعاً في العالم العربي، وخاصة في مصر منذ قديم الأزل؛ فالأنظمة في مصر تجيد سياسة دفن الحقائق ولها طرق متعددة في ذلك لعل أكثرها شيوعاً هو تشكيل لجان تقصي الحقائق التي تخرج بمؤتمرات صحفية للتأكيد على الشفافية المطلقة، والتأكيد على أن الوصول إلى نتائج قطعية يستغرق وقتاً. والسلطة هنا تكون في انتظار وقوع أي حدث آخر لجذب انتباه الجماهير إليه التي سرعان ما تنسي ما وصلت إليه تلك اللجان في الأحداث السابقة. والأمثلة هنا لا تُعد ولا تُحصي، فمنها قطار الصعيد عام 2002م، وكارثة غرق العبارة "السلام 98" عام 2006م في البحر الأحمر، وقتل المتظاهرين في ثورة 25 يناير 2011م، وغيرها من الأحداث التي لم يُعرف فاعلها الحقيقي إلى الآن.

جس النبض:

وهو أسلوب تستخدمه السلطة لاستطلاع رأي الجماهير حول قرار تنتوي اتخاذه عبر طرح الشائعات، وتتعمد السلطة التمهل في الرد على الشائعات وتدعها تأخد وقتاً لتنتشر في المجتمع. يكون تفاعل السلطة في هذه الحالة معتمداً على تفاعل الجماهير وردود أفعالهم؛ فإذا كانت ردود أفعال الجماهير متقبلة أو على الأقل تحت السيطرة، فإن السلطة تسير قدماً في قرارها وتعلنه بشكل رسمي. أما إذا كانت ردود أفعال الجماهير عنيفة أو غاضبة، فإن السلطة تخرج بتصريحات رسمية تنفي فيه الأمر وتدعو الجماهير لعدم الإنصات للشائعات مجهولة المصدر وتتريث السلطة في قرارها المزمع اتخاذه؛ انتظاراً لفرصة أفضل مع العمل على تهيئة المجتمع لقبول القرار.

احتكار المعلومات والتكتيم:

وهنا تعتمد السلطة على عدم إتاحة الفرصة لأي مصادر مستقلة أو معارضة بالوصول إلى أي معلومات حول أمر أو قضية ما، وهذا يجعل الرواية الوحيدة المتاحة أمام الرأي العام هي رواية السلطة. مع عدم توافر معلومات أخرى تنفي أو تؤيد رواية السلطة لا يكون أمام الرأي العام بمختلف فئاته إلا تصديق رواية السلطة. وهذا الأمر شائع الحدوث في الحروب وتستخدمه السلطة للتغطية على هزائمها وتراجعاتها العسكرية، فتلجأ بدعوى الأمن القومي إلى التشويش على وسائل الإعلام ومصادرة الصحف وملاحقة المراسلين واستهدافهم سواء بالاعتقال أو القتل، وهو ما يحدث في سوريا من تعمد لاستهداف المصورين الصحفيين والناشطين الميدانيين، لحجب الحقيقة وطمسها أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والعالمى.

ويلاحظ أن عملية استهداف الإعلاميين عملية ممنهجة من قبل الأطراف المتصارعة ولا يتم تبنيها -في الغالب- من قبل أي جهة، ويقيد الحادث ضد "مجهولين". ولعل أبرز عمليات استهداف الكوادر الإعلامية هو إعدام الصحفي العراقي المستقل "ياسر فيصل الجميلى" على يد تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" بأواخر عام 2013م. وآخر هذه العمليات هو استهداف الناشطَين السوريين "خالد العيسى" و"هادي العبد لله"، وهو ما نتج عنه مقتل الأول وإصابة الثاني.

إطلاق الأوصاف والمصطلحات:

وهو أسلوب معتاد تنتهجه الأنظمة الديكتاتورية بإطلاقها عبر منابرها الإعلامية المختلفة لأوصاف ومصطلحات ثم إدارج جميع الكيانات والأشخاص غير المرغوب فيهم تحت تلك الأوصاف أو المصطلحات. وهو أسلوب تستخدمه تقريباً السلطة بمختلف أنواعها إذا كانت ديكتاتورية أو ديمقراطية..

ففي الحالة السورية لا يفتأ النظام عن وصف الثوار بالإرهابيين وتوسع في استخدام المصطلح حتى شمل به قطاعات كبيرة من الشعب السوري الثائر على نظامه الطائفي، وهو ما جاء على لسان رأس النظام السوري بشار الأسد بقوله "إننا أمام ملايين من الإرهابيين". وهي نفس الحالة التي يحاول بها النظام المصري الهروب من استحقاقاته بنعت كل من يخالفه الرأي بأنه من "الإخوان المسلمين" أو بوصفه بـ"خلية إخوانية نائمة"..

وتهدف النظم من وراء تلك الأوصاف إلي شيطنة المعارضين والهروب من تقديم أدلة منطقية للرأي العام حول سبب استهداف أو قمع المعارضين. ويجدر الإشارة بأن هذا الأسلوب استُخدم كثيراً من قبل أنظمة ديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأميركية؛ فوصفت الإدارة الأميركية الدول والأنظمة المختلفة معها في التوجهات بمحور الشر والداعمة للإرهاب، مثلما فعلت مع "كوبا" و"كوريا الشمالية" ومن قبلهم "العراق".

الانتقاء:

وهو انتقاء مواضيع معينة في توقيتات مختارة وتسليط الضوء عليها بمختلف الوسائل لتوجيه الرأي العام إلى فكرة معينة. وهو أسلوب مستخدم وشائع لدى الأنظمة الديكتاتورية عبر التركيز على الفساد الأخلاقي لدي قطاع معين من المجتمع بشكل متكرر وبأساليب متعددة لغرس رسالة لدي الرأي العام المتلقي للمحتوي الإعلامي وهي فساد المجتمع وانحطاط أخلاقه؛ فيبدأ الناس في التوقف عن مطالبة السلطة بالنزاهة والشفافية لقناعتهم أنهم لا يملكونها كجماهير، وبالتالي لا يحق لهم مطالبة غيرهم بها. وهو ما عبر عنه الفيلم السينمائي المصري الشهير "يا عزيزي كلنا لصوص".

ورغم أن الأساليب السالفة الذكر ليست جديدة، ولكن الغريب هو عدم تطوير الثورة وقادتها وجماهيرها لطرق التعامل مع تلاعب السلطة بالرأي العام، وهو ما وضح جلياً في نجاح الثورات المضادة -ولو مؤقتاً- في تقليب الرأي العام على الثورة وقادتها وجماهيرها.

المصادر:
"الإعلام وصناعة الرأي العام"، سلام خطاب أسعد- جامعة تكريت 2013م.
"الرأي العام"، مختار التهامي وعاطف العبد -جامعة القاهرة 2005م.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.