المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود العناني  Headshot

رابعة أُم الأحزان

تم النشر: تم التحديث:

الرابع عشر من أغسطس/آب، يوم الحزن السنوي، ذكرى حَمّام الدم الذي لم تنقطع آثاره حتى الساعة، ذكرى الدماء والأشلاء والرؤوس المتفجرة، والصراخ من كُل ناحية، ذكرى صوت رصاص القناصة الذي لم أدرك أنه قناص إلا حين قصم رأس ذلك الشاب الثلاثيني خلف تلّة الرمل الشهيرة أسفل مشفى رابعة العدوية.

الرابع عشر من أغسطس يوم الحزن السنوي، حسب التوقيت المحلي، لسكوت العالم على دماء المئات في أبشع المجازر في تاريخ مصر الحديث، وعلى ذكر مِصر، ذاك الوطن الذي لن يشبع يوماً من الدماء، ولن تتوقف أرضه عن شرب الدماء، ولن يتوقف جلادوه عن سجن الشباب، ولن تتوقف حُجَر الـ"شبر وقبضة" عن حبس الأصدقاء.

ساحات الحرب

أُخبرك قليلاً عن ساحة الحرب التي دارت في قلب عاصمة القهر، ظهر الرابع عشر؟
بعد الثانية عشر ظُهراً كانت قواي الجسمانية قد أنهكت، ولم يعد في يدي ما يمكن تقديمه، تركت المستشفى الميداني، بعد أن مُلئت أرضيته بالجثث، ولم أعد قادراً على الوقوف على قدمي، ناهيك عن مساعدة المسعفين، بالكاد يمكنني تمييز وجوه الناس، فإذا بصوت لم أسمع به منذ السادسة صباحاً، صوت مخالف لرصاص الكلاشنكوف وبالتأكيد لرصاص القناصة، أحاول استراق النظر، بين رصّة طوب، فإذا بعسكري يعتلي آليةً لم أعتد على مشاهدتها، ويطلق الرصاص من سلاح آلي ضخم، قيل لي بعدها: إنه "الستة بوصة"، يكفيك رعباً أن تستمع لصوت هذا السلاح، فما بالك لو اخترقت واحدة من هذه الرصاصات صدرك، ومن خلفك ثلاث أو أربع؟ لا تنزعج.. فُضّت رابعة على كُل حال.

إن عشوائية القتل في هذه الساعات كانت كافية لسحقنا جميعاً، إن نداءات: "المخارج الآمنة" كانت كذبة كبيرة، لا أحد يريد الموت عارياً دون سلاح، إن أغلى ما في الإنسان روحه، فكيف إن روهن عليها؟

بعد قليل من المشهد السابق، كنا قد تمكنا من الوصول أسفل مبنى مشفى رابعة، لكن هذا الطريق لم يكُن سهلاً، تعرّض خالد للقنص مرتين، مرةً وهو يحمل كاميرا، والأخرى وهو يحاول العبور بين الشارعين، تعرض عُمر وسامحي للقنص، ولولا تعثرهما لنجح القناص في استهدافهما.. سامحي وعُمر في السجن الآن بأحكامٍ بين المؤبد والإعدام.

كان الاحتماء خلف السواتر الترابية هو السبيل الوحيد للنجاة، ثم هدأ الرصاص فجأة! وصاح أحدهم: "القناص مشي.. القناص مشي"، كان ذلك إيذاناً بحصد ست أرواح جملة واحدة من سلاحٍ عسكري آخر، بعد أن رفعوا رؤوسهم لمتابعة الوضع، وهل كان القناص قد اختفى فعلاً أم لا.
أعتقد أن تخيل هذين المشهدين بتفاصيلهما أمر شديد للغاية، إلا إذا كنت قد عايشت لحظاتٍ مشابهة، وأدعو الله أن لا يعايشهما أحد.

في مشهد النهاية

تمكنّا ومجموعة من الأصدقاء من الخروج، بأعجوبة، لا أريد أن أتذكر كيف حدث ذلك، لكن أتذكّر بعد أن خرجنا أن سامحي عاد مرة أخرى للميدان، دون إبداء أية أسباب، وكذلك أسماء ألقت بحقيبتها التي تحمل جهاز كمبيوتر وأشياء أخرى، ورحلت.

أوقفنا سيارة أجرة، وأبدلنا ملابسنا فيها، ونبدأ في مشاهدة العرض خارج ساحات رابعة، مشاهد الناس في العمائر مشهد مرعب، وجه سائق التاكسي يُخبر بأن مصيبة أخرى تحدث خارج حدود الميدان، بادرته: إيه يا أسطى؟ الدنيا مولعة في كُل حتة؟

ليست هذه هي القاهرة التي نعرفها، لا زحام معتاد، لا سيارات في الشوارع أصلاً، لا مارة يقطعون الطريق بشكل غير حضاري، جميع المحلات مُغلقة، حتى سائق التاكسي الذي أقلّنا رفض الأجرة من حالنا.

هذا اليوم بكُل تفاصيله التي لم تُحك بعد، أخبرنا بأنه لا حياة في القاهرة، وربما لن يكون بعد هذا اليوم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.