المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أنس محمد  Headshot

مع التعديل

تم النشر: تم التحديث:

مقدمة

- يشعرُ أن الطقس مثالي، المستقبل مشرق، الوجوه متلألئة،​ كل شيءٍ جميل، ذلك رغم كونه يقبع حالياً في لجنة الامتحان.

- هو ما بين الطفولةِ والشبابِ يقف ملوحاً بيديه الحائرتين إلى أي شيءٍ يدعوه، ينظر حواليه، ينظر إلى السماء باحثاً عن الله، يطلب منه أن يُحدِثه، وأنا أؤكد لكم أنه لم يقرأ أو إن صح القول لم يعِ قصة موسى، لكنه بِحيرة المراهق يتصرف.

* أتساءل إلى أي دين ينتمي صديقنا المراهق؟ وهل متاح له ولي السؤال؟

طقوس ثابتة

- بالأمس كان يبدو للجميع جِديته ونشاطه؛ فهو لم يفارق طاولة المذاكرة، يفترش من حوله الكتب يلتهم منها ما يستطيع من حروف لن تعني له شيئاً في المستقبل البعيد، لكنها ستعني له الكثير غداً.

- قُبيل لحظاتٍ من دخوله لجنة الامتحان جلس يسابق الزمن لحصد ما زرعه بالأمس من معلوماتٍ ليأكلها على عجلٍ حتى ما أن تدق ساعة الامتحان يسارع إلى مقعده القديم الجديد في مهمته ليتسلم ورقة -أُسميها حوض- فيتقيأُ فيها كل ما أكله منذ قليل.

* هل يعقل أن نهلك طفولتنا في كل هذا العبث؟

مفاجأة سارة

- لكنه ما إن تسلم الورقة حتى تبدلت أحواله، ينظر إلى الورقة ليجد سؤاله المفضل (ضع علامة صح أو خطأ)، الطقس رغم حرارة يونيو/حزيران الموحشة أصبح منعشاً مشرقاً يدعو إلى الرقص ربما.

- يمر الوقت، يدندن الأغاني، يتذكر مُزحةً من صديقه فيبتسم، يضع العلامات الواحدة تلو الأخرى، يضعها بثقة موسيقار يحرك فرقته كيفما يشاء.

الجميعُ في قصته القصيرة، يخرج على الطلاب صوتٌ مفزع يعلن أنه (فات نص الزمن)، كان قد مر ساعة ونصف وصديقنا ما زال يكسو وجنتيه الربيع، هو قد أنهى بالفعل إجاباته وتبقى له أن يلقي نظرة سريعة كما علمه والده من قبل.

- يستريحُ قليلاً، ينظر من حوله كنظرة جنينٍ للعالم، يتساءل في نفسه عن تلك الوجوه البائسة، يتعجب في نفسه، يبتسم، ربما وصل في شعوره إلى حد الغرور، لقد أنهى امتحانه في نصف الوقت فقط!

كابوس

- يعود لورقته، يقرأ رأس السؤال، يقرأه بتمعنٍ لآخره (ضع علامة صح أو خطأ، مع التعليل)، دقائق صمت، مع ماذا؟!

_ من أطفأ الموسيقى، يتساءل: من أطفأ مكيف الهواء؟ ما بال عقارب الساعة تهرول، أي كابوس هذا يا إلهي؟!

هل خلقنا الله فقط لنكتشف ما هو صواب وما هو خطأ؟

المُعضِلة (رد فعل بديهي)

- منذ طفولته كان طفلاً فضولياً كحال معظمنا، لا يترك تفصيلةً إلا وبادر بالسؤال عنها، يقول لأمه بلغته المضحكة هل أبي يحبك؟

ترد: نعم، يسألها لماذا؟ تتجاهله، يقول لها: هل تحبيه؟ ترد بنعم، يسألها لماذا؟ تكرر تجاهله.

يسألها عن خالقه، تجاوبه، يسألها ولماذا خلقنا؟ تصمت!

يحكي لوالده عن طفل رآه يعبث في صندوق قمامة، يسأله عن خالقه، يجيبه، يسأله ولماذا لم يخلق له منزلاً وطعاماً؟ يتلعثم والده ثم يأخذه في الحكي بعيداً عن أسئلته.

يسأله عن أشياء قد تبدو غير مجدية، لكنها كبيرة في عين طفله.

يسألُ كثيراً والردُ واحد مُقتضب نعم أو لا، حرام أو حلال، صح أو خطأ.

يسأل كثيراً: لماذا؟

يتجاهلانه وربما ينهره أبوه عن فعل تلك الكبائر!

يأمره والده بأشياء لا يطيقها، اذهب إلى كذا، نَم مبكرا ولا تلعب، شعرك طويلاً لماذا لا تحلقه، لباسك لا يعجبني، لا تأكل بيدك اليسرى، لا تنَم على بطنك، لا تضحك، لا تجلس هكذا، لا تفعل كذا وكذا، يسأله لماذا؟ لا يجيب.

يكبُر ولا يُطيق لماذا، يعود من مدرسته متأخراً، تسأله أمه عن السبب، يتبرم، يضرب أخته الصغرى، يسأله والده عن السبب، لا يُجيب، يغيب عن فصله ولا يُعلِل غيابه، يُهمل صلاته ولا يُجيب لماذا، يحزن ولا يُعلِل، يضحك ولا يُفسر، لا يسأل لماذا ولا يُحب أن يُسأل.

* هل صحيح أن يعاقب الله قوم إبراهيم لقولهم "هذا ما وجدنا عليه آباءنا"؟ أما سيعاقبنا نحن لأننا لم نسأل؟ لكننا سألنا فمن سيعاقب؟

عودة إلى اللجنة

- في لجنة الامتحان، الجميع بائسٌ، وكذلك هو، الجميع حائرٌ، وكذلك هو، الجميع لا يعي لماذا، يُبحلِق في ورقته ملياً، تدخل كلمة التعليل في عينيه، يسرح كعجوز مُنهكٌ، يُغمِضُ عينيه وينام، ينام وقد أغلق جفنيه على (مع التعليل).
هل من تعليل؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.