المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أنس محمد  Headshot

لماذا نحن؟

تم النشر: تم التحديث:

في بلاد لا تعرف أسامينا خلقنا.

(منذ متى ونحن هنا؟ لماذا أتينا؟ ولماذا هنا؟ ولماذا نحن؟).
على لوحة التعداد السكاني كل ثانية يزيد فيها إنسان، ويولد معه الآلاف من الأسئلة:
(ماذا أفعل هنا؟ من أخرجني من سكينتي؟ لماذا تصرخون؟ لماذا كل تلك الفرحة؟).
تنهال المباركات والزغاريد.
(ما هذا الشيء الذي يحملونني عليه؟ هل هناك زلزال؟).
لا أعلم شيئاً، أريد فقط أن أصرخ فيهم، دعوني وشأني، لكن أين لساني؟
إنه موجود، ولكن هل هناك خلل ما؟
لو كانت أمي مريم لنطقت، كنت سأقول لهم: أطفئوا الأنوار وضعوني من حيث أتيت.

يبدو أن المراسم لم تنتهِ بعد، فها قد مرّ أسبوع تقريباً، وسوف تبدأ مرحلة أخرى من عذاب القبر، لست مبالغاً، أنا كالميت تماماً، لا حول لي ولا قوة، تتقاذفني الأيادي، وتعبث بي الأطفال، ظناً منهم أنني محض دمية.
يا إلهي متى لكل هذا العبث أن ينتهي؟

الليل قد حل، عيناي ربما لم تعيا شيئاً، لكنهما ظلتا طيلة هذا اليوم تقاومان، حتى عجزتا تماماً عن المقاومة.
أريد أن أغلقهما ولكن سرعان ما يكدرهما حركات فجائية، لا أجد طريقة للتعبير عن ضيقي؛ لذلك بكيت، أبكي والجميع حولي سعيد.

من هؤلاء؟
ها هم قد انشغلوا بالحكي، سأخلد إلى النوم أخيراً، يا لسوء الحظ، فقد حان الآن موعد فقرة الإزعاج، همت واحدة منهم بإحضار شيء له يد وظلت تدق مبتهجة وتردد كلمات لم أعِها ولم تسعدني، الجميع من حولي يرقص ويغني، وأنا ألعن الطبيب الذي أخرجني إليهم.

انتهت المراسم، الجميع منهك، الظلام يحيط بنا.
أين ذهب العالم؟
أبكي، أصرخ، لا أحد.
فقط واحدة، قامت بهدوء رغبة منها في ألا تزعجني، أقول في نفسي: أنا جائع، تسمعني، تطعمني، تحملني دون ضيق -كما يبدو لي- وتمشي في طرقة المنزل، أعود إلى هدوئي فتعود بي إلى فراشي، وينتهي المشهد.

في مكان ما يستيقظ المنزل وفي الخلفية صوت نشرات إخبارية وإعلانات وأغان، يحمل الطفل كتبه وأحلامه في شنطته، تحضنه أمه ثم يذهب، لم يهتم وربما لم يفهم ما تتداوله نشرات الأخبار، كانت تنبئ عن قيام الكثير من الناس بالخروج إلى الشارع احتجاجاً منهم على سياسات الحاكم، يرفعون شعارات سلمية تطالب بالتغيير، آملين في أن يعود ذلك بالخير على بلادهم.

يخرج هو كل يوم ويعود لمنزله وألعابه التي لا يتركها ولا تتركه، كل شيء في ناظره جميل ومرتب، الأهل والأصدقاء من حوله، الطعام يحضر إليه قبل أن تعلن جدران معدته أنها منهكة، له مكتبه الصغير وصندوق يعج بالألعاب المبهجة، ما أجملها حياة تخلو من الصعوبات.

لكنه يصحو ذات يوم يتحسس من حوله، لا يرى شيئاً، عيناه موجودتان بالفعل لكن ربما هناك خلل ما.
مَن أتى بي إلى هنا؟
يتساءل عن مكتبه، شنطته، كتبه، أحلامه.
أين ألعابه، أين حضن أمه، أين الأهل والأصدقاء، معدته تصرخ أين الطعام؟
لا شئ يجيب، لا شيء هنا، فقط يوجد بجواره دلو ليقضي به حاجته، تعلوه قماشة بيضاء ويحيط من حوله أصوات كتلك التي أزعجته في طفولته لكنها لا تنتهي.

يبكي دون جدوى، يصرخ ولا مجيب، يلعن الطبيب الذي أخرجه، وينام، ينام ولا يعلم متى سيصحو.

سنوات تمضي دون جدوى، جيل مضى في إصلاح بلاده التي جاوز الظالمون فيها المدى، أين نحن، أي حكمة في هذا؟ طفل كان يبكي إثر صوت توبيخ والده، أصبح الآن معتاداً على صوت القنابل والرصاص يألفها، كان يبكي في غياب أمه، الآن وحده تاركاً أشلاء عائلته تحت الأنقاض، أبكي على ديار قد عرفت في يوم ما صوت الأغاني والأناشيد، قد مزقت الحرب أحبالها فما عاد لها صوت، انطفأت.

**

كنا نسكن الظلام لكن كان كل شيء ممهد لنا، صحيح أنه كان مكاناً ضيقاً جداً، لكن كنا في حجم ريشة نمر بخفة بين جدرانه، الآن وقد أثقلتنا الهموم وكهلتنا الحروب نشعر بالضيق رغم نزولنا إلى العالم الفسيح.
لماذا نحن؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.