المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود ملحم   Headshot

على ضوء القمر

تم النشر: تم التحديث:

جمال القدر: تزداد سرعة الحافلة ويزداد الشعور بالوحدة، القافلة تسير بسرعة والكل ينظر من نافذته، والجميع منشغل بأمتعته، ويظن أنه لوحده في هذا الطريق ، الكل يتمنى أن يكون في المقدمة، وهكذا نحن نسير في جميع مسارات حياتنا، الكل يسعى لأن يوجِّه الأنظار إليه، نقود مركباتنا آملين أن نكون السباقين، وتأتي الأقدار لتخبرنا بأن شيئاً ما يحول دون أن نكمل مسيرنا، أحدنا يغض كثيراً لتغير مسار القدر والآخر يتعلل بالأمل، والقليل من يتوقف عند المنعطفات، والأقل من يعطي الفرصة لقاطعي الطريق ليخبرونهم بالحكمة من ذلك..

هناك بعض الإشارات تخبرنا بأن علينا الانعطاف نحو اليمين والآخر يحذرنا من انعطاف الطريق وإشارة تحمل في ثناياها الأمل، ولكن جميعها تخفي وراءها المجهول، المجهول الذي أخفاه الله عنا رحمة بنا، حتى نستمر وحتى نستمر في عمارة الأرض.. فجأة يرى السائق إشارة تشير إلى قرب الوصول إلى الوجهة المرجوة.. قد يختار المسافر الطريق الصعب ولكن يتفاجأ بأنه الطريق الأفضل على الإطلاق.. تلك هي مسارات الحياة جميعها مجهول حتى وإن بدا غير ذلك.. نختار الأجمل ونتفاجأ بأنه الأسوأ على الإطلاق ونتألم لطريق اختاره القدر ولكننا نتفاجأ بأن القدر كان يخفي وراء ظهره مفاجئةً لنا ليعوضنا على حسرات قدر آخر.. لن يستمر الألم ولن تستمر السعاده..

جميعها أقدار، الصديق قدر، العطل في سيارتك صباحاً قدر وكلاهُما يحمل في ثناياه الخير.. ولكننا لعجزنا لا نستطيع أن نرى الأمور على حقيقتها فنترجمها ترجمة حرفية دون مراعاة الظروف الزمانية ولا شبة الجملة ولا الجار والمجرور، إذا قيل لنا تخيل الجنة.. سنتخيلها غابة خضراء.. وأنهاراً تقطعها.. وعصافير تغرد.. وأزهاراً تملأها.. مع أن الله قال في وصف الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال البشر..

لأننا ببساطة لن نستطيع أن نتجاوز في حدود تفكيرنا أكثر من تلك الصور التي جمعتها تلك الذاكرة، ولا أكثر من تلك المشاهد التي تركت أثر في ذاكرتنا ولا نتعدى الأصوات التي حفرناها على جدار عقولنا.

راودني سؤال وأنا أتامل جميع أقدار حياتي.. هل الأصل في كوكبنا الضوء أم الظلام؟ قد تستغربون لو وجدتم الإجابة أن الأصل الظلام، ولكن خلق الله الشمس لتبدد هذا الظلام، ولتبعث الأمل ببزوغ فجر مضيء يحمل بطياته النور مؤذنا بأحداث جديدة قد تغير مسار حياتك، حتى لا نيأس ولا نستسلم لأحداث الماضي .. إذا وافقنا هذا الافتراض، فمن الواجب أن نؤمن بأن دورنا لا يقل عن دور الشمس في حياتنا وحياة الآخرين التي تستعد في كل صباح بإرسال خيوطها غير متعللة بتعب ولا إرهاق ولا برودة أطراف، لماذا لا نرسم ابتسامة على وجه زميل وطالب وعامل وسائق وأم وأب رسم التعب على وجهه الأحداث وحزن الماضي، قبلة على وجه زوجة استيقظت من نومها لترفع أيديها للدعاء لأبنائها وتيقظهم ليوم عمل جديد، بصدقة لعامل نظافة ارتضى بمقارعة النفايات ليطعم أولاده لقمة حلالاً وارتضى بنظرة الازدراء والدونية التي نمارسها معهم، بكلمة الله يعطيك العافية لعامل المطبخ بمكان العمل عندما يقدم لك فنجان القهوة وقد يكبرك سنا، نعم كل هؤلاء يحتاجون أن نكون كالشمس التي تضيء على الكافر قبل المؤمن ولا تحرم أحد من نورها، فلا تكن كالظلام الذي يأتي من بعيد ليزيح نور الشمس حاملاً الخوف والبرد..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.