المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أحمد عبد الواحد Headshot

ويا ليتني فهمتُ!

تم النشر: تم التحديث:

أمام طوفان الحياة الجارف وتلاحق السنين والأيام، عادة لا ندرك بعض الحقائق والسنن الحياتية، إلا إذا تطاول علينا الزمان وتجرأت علينا الأيام، ساعتها فقط نبدأ في الاستيعاب لنعيد بناء ما قد أطاحت به الأيام والتعامل مع المستقبل بمزيد من الاحترافية والثبات.

قد تبدو كلماتي الأولى هذه بها طيف من التشاؤم أو اليأس، لكنها تحمل الحقيقة مهما كانت نكهتها، وتجسد الواقع بصورته الحقيقية، وأنت عليك استيعاب ذلك.

انظر في عامك الماضى، أمعن النظر في أحداثه وتفاصيله، تذكَّر جيداً كم المواقف الهائلة والعلاقات الكثيرة، وضع بجانبها كلمة "يا ليتني"، وستجد أن "يا ليتني" هذه متوافقة ومتجانسة بنسبة كبيرة مع ذلك الموقف أو ذلك الفعل أو هذا الشخص.. حقاً نحن نندم أكثر مما نعمل، ومهما بلغت من درجات وحققت من إنجازات ستجد شعور الندم يلاحقك دوماً.

دعني أحدثك عن أكثر ما يؤلم الكثير من الناس، وأكثر ما يعكر صفو الأيام، دعني أحدثك عن العلاقات البشرية بمختلف أنواعها، وعن الناس بمختلف صفاتهم، وعن الناس وصراعهم الأزلى، وعن النفاق فيما بينهم، وعن الظن السيئ، وعن هذا العالم المشتعل بالصراعات، بسبب أفعال بعض البشر، بسبب عدم استيعاب وتقبل الآخر!

ويا ليتني فهمت أن أصل المشكلة لا يكمن في السلوك المتبادل، ولا الصفات الشخصية لدى كثير من الأفراد، ولكنه إعطاء البشر صفات غير بشرية، كالإلحاح في الطلب، أو طلب العون، أو الاعتماد الزائد أو العشم أو التعلق أو الخوف أو الرجاء أو الأنس.. فإن مثل هذه الصفات ليست من صفات البشر، وبالتالي لا يستقيم الحال إذا وضعنا البشر في مثل هذه المنازل.. ومن هنا بدأ الصدام، وبدأت المشاعر السلبية في الانتشار، ومن هنا كان الصراع!

ويا ليتني فهمت أن سُنة الله في كونه هي معاقبة كل من تعدَّى وأعطى للبشر صفة ليست منهم في شيء، وأن الأيام تطيح بكل الذين عاشوا في هذه الدنيا غير مدركين مثل هذه الحقائق، ولا معتدين بخطورة التعدي على مثل هذه السنن، ومن مساوئ بني الإنسان هو إدراك الحقائق بعد وقوع الفأس في الرأس، كما يقولون.

لم أكتب هذه الكلمات لأعنف القارئ الكريم، أو لأنشر بالأجواء شيئاً من الكآبة والتشاؤم، ولكن أردت من تلك الكلمات أن أتحدث عن حقيقة نعيشها، أردت أن أتكلم عن مرض قد انتشر واستشرى في أرواح الكثير، ولا أحد يتكلم عن علاجه، ولا أحد يعيره انتباهاً أصلاً.

الكل يتحدث عن العواقب فقط، والكل يشكو السوء فقط، والكل يتألم من اجتماعيات متهالكة وبشرية تأكل في بعضها البعض.

أردت من خلال هذه السطور القليلة أن تنتبه للسنن الكونية، وأن تدرك الفرق بين الرب والعبد، وأن تعرف مع مَن تتعامل في الأساس، فالرب تنتظر منه الكثير، والعبد لن يعطيك شيئاً قط.

أملي بعد هذه السطور، وأنت تضع خُطة لعامك الجديد، أن تدرك هذه الحقيقة، أن تتعلم أن لا تأنس بالبشر، وأن لا تتوكل عليهم، وأن لا ترجوهم، وأن لا تطلب العون والمدد منهم.

أملي أن تخرج من هذه الجولة البسيطة بعزم أكيد على عدم التعلق بالبشر، وعدم الأنس بالبشر.. قد يبدو هذا الأمر سهلاً في ظاهره، لكنه يحتاج الكثير من الصبر والتضحية.

أملي أن تدخل عامك الجديد بمعانٍ جديدة، أملي أن تمسح جملة "يا ليتني" من سطور حياتك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.