المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أحمد أحميدي Headshot

الأقصى ليس ثالث ثلاثة

تم النشر: تم التحديث:

في يوم من الأيام اقتتل رجلان على قلادة ثمينة، كل منهما يدعي أنه الأحق بملكها، وأنها له، فاحتكما إلى قاضٍ ذي عقلٍ وفهم.

تحدث الأول وقال: إنها لي؛ لأنها أقدس غرضٍ امتلكته في حياتي، وبعده قال الآخر: لا بل هي لي لأنها ثالث أقدسِ شيءٍ امتلكته في حياتي!

فتبسم القاضي ضاحكاً وقال: أيعقل أن يكون الثالثُ عندكَ أولى مما هو الأقدس عند غيرك!

هنا لو نقيس الأمر على بيت المقدس لوجدنا أننا كمسلمين نقول بملءِ أفواهنا إنه ثالث أهم مكانٍ مقدسٍ عندنا، وعندما نرى رأي الآخرِ فهو يقول بأنه الأقدس لديه بلا منازع! وهنا يستغرب السامع كيف يحصل هذا؟ وهل يعقل أن المسلمين هم الأحق به مع أنهم يضعونه في المرتبة الثالثة بينما غيرهم يقدسونه أكثر من أي شيءٍ آخر؟!

حينَ نأتي ونراجع الأمر سنجد أن المسجد الأقصى حقيقةً ليس الثالث لدينا كمسلمين، فنتساءلُ إذاً هل هو الأول أم الثاني؟

ليس الأول وليس الثاني وبرأيي فإنه ليس لمسجد تفضيل على مسجد آخر!

تحدثت بهذا الكلام مرة لصديقي فلم تصل الكلمات إلى أذنيه حتى قال لي: أأنت جاد يا هذا؟! كيف تقول ما قلته وهناك فرق كبير بينهم؟
فقلت له: اسمعني حتى تفهم مقصدي من الكلام! ثم قلت: لكل مكان في الإسلام رمزية خاصة له قد وصفها جل في عُلاه في كتابه الكريم، ولكل مكانٍ خصائِصُهُ التي تميزه عن غيره، لكن لاحظ أن هذه الخصائص لا تُفضّل مكاناً على آخر.

فمثلاً المسجد الحرام كما وصفه الله جل وعلا في قوله: (... وهدى للعالمين) فخصه الله بالهداية، أما عن المسجد النبوي الذي يرتبط بالنبي عليه السلام فقال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، والمسجد الأقصى فقد وصفه الله تعالى بـ (الأرض التي باركنا فيها للعالمين) فخصّه الله بالبركة والقدسية، أي أن المغزى من الكلام أن لكل مكانٍ خصوصيته ومكانته عندنا كمسلمين، وتعالَ انظر أيضاً لمميزاتِ المساجد الأخرى فستجد أن لكل مسجدٍ أمراً خاصاً به ليس موجوداً لغيره، فالمدينة تحوي قبر النبي -عليه الصلاة والسلام- ومكة تختص بأكبرِ أجرٍ فيها، والأقصى هو المكان الوحيد الذي وصفه تعالى بالأرض المقدسة، ولم تُذكر القدسية عن أرضٍ أخرى إلا عن بيت المقدس.

أول بيتٍ وضع للناس مكة، وأول مركزٍ للخلافة الإسلامية هي المدينة، والمكان الذي لو كانَ لكَ مثلَ شطن فرسك مطلٍ عليه خيرٌ لكَ من الدنيا وما فيها هو المسجد الأقصى، فهل يعني مثلاً كون الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة هي أفضلية له عن باقي المساجد؟ وهل يعني وجود قبر النبي أن المدينة هي الأفضل؟ وهل تعني قدسية الأقصى أنه أفضل من غيره من المساجد؟ الجواب: لا، وطبعاً لا.

الفكرة من الأمرِ كاملاً هي أن ثلاثتهم واحدٌ بالنسبةِ لنا وليس هناكَ أيُّ فرقٍ بينهم، وقد ربط الإسلام بينهم في كثير من الأمور، ولكننا نغفل عنها للأسف.
فنجد أن أول بيتٍ وضع هو مكة، وبعده مباشرة المسجد الأقصى الذي كان اسمه دلالة على بناء المسجد النبوي (إذ إن كلمة الأقصى تعني "الأبعد" وحتى زمن نزول سورة الإسراء لم يكن هناك مسجد أقرب لمكة حتى يوصف المسجد الأقصى بالأبعد! فهذا كان دلالةً على أن مسجداً ثالثاً سيبنى قريباً)، ونرى أيضاً أن من أهل بعمرةٍ أو حج من المسجد الأقصى غفر له ما تقدم من ذنبه، ونجد أن النبي بعد توحيد المدينة فتح مكة وبعد فتح مكة بقليل أرسل جيش أسامة الذي كان من بشريات الفتح الإسلامي للمسجد الأقصى، فنرى أن هذا الربط قد كان منذ عهد آدم -عليه السلام- يوم قام ببناءِ المسجد الحرام وأتبعه ببناء الأقصى، ونراه جلياً عندما قام سيدنا إبراهيم بوضع ابنه الأكبرِ في بيت المقدس والآخرَ ذهب به إلى مكة، ونراه أيضاً في مطلع سورة الإسراء؛ إذ إن حادثة الإسراء كانت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

وبعد كل هذا، فإننا وللأسف نجد الكثير من المسلمين ممن يهتمون كثيراً بمكة المكرمة وبالمدينة المنورة، ولكن عندما نتحدث عن الأقصى اعتبروه شيئاً عادياً كأي بلد آخر.

الخلاصة من الكلام يا صديقي: إن المساجد الحرام والنبوي والأقصى، هي جميعها في المرتبة الأولى لدينا كمسلمين وليس هناك مرتبة أولى وثانية وثالثة، فما يحدث في الأقصى يهمني كأي حدث يحدث في المدينة، وكأي حدث يحدث في المسجد الحرام، وهكذا نحل إشكالية كونه رقم ثلاثة لدينا، ودمت بكل ود وسرور.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.