المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

كيف تصنع إرهابياً من مصر؟

تم النشر: تم التحديث:

الإرهاب أصبح أداة مهمة يجب أن يمتلكها حاكم مصر، عوضاً عن السياسات الطبيعية لرئيس الجمهورية، والدور المكلف به الحاكم، فبدلاً من أن يقوم الحاكم بدوره الطبيعي وهو إدارة شؤون البلاد على النحو الذي يتوافق مع الدستور والقانون، والذي هو في الأصل يتعارض مع غاية الحاكم، وهي (الاستمرار في سدة الحكم لأطول فترة ممكنة)، يمكنه صناعة نوع من الإرهاب يساعده في فرض التطويع الإجباري على المحكومين من دون تعب أو مجهود، فبهذه الطريقة سيستطيع الرئيس شراء كل ما يريده من دون أن يدفع ثمنه، فالشعب وحده هو مَن يدفع الثمن.

ولكن إذا كنت تريد العمل بهذه الطريقة وفقاً لنظرية (خفض التكلفة ورفع الأرباح) لا بد أن تعلم أن الإرهاب لا ينمو ولا يزدهر إلا في مناخ تسيطر عليه القوة الأمنية، بدلاً من القوة العقلانية، ويجب أن يسود هذا المناخ القمع والبطش والجهل، فإذا كنت تستطيع توفير هذا المناخ عليك اتباع الخطوات التالية:

أولاً: يجب عليك استهداف الفئة المناسبة في المجتمع التي يمكنك العمل عليها، أو بمعنى بسيط (عدة الشغل)، فلا بأس أن تستهدف الشباب، فهم الفئة الأكثر حيويةً ونشاطاً وإبداعاً في المجتمع، قُم في البداية بإقناعهم بأنهم مواطنون ولهم دستور يحفظ لهم حقوقهم في المواطنة، ويضمن لهم حق اختيار مَن يدير شؤونهم التنفيذية والتشريعية، ولديهم دولة بها مؤسسات ينظم العمل بينهم جميعاً قانون الفصل بين السلطات، ولا يجوز للسلطة التنفيذية فرض سلطتها وسيطرتها على السلطة الرقابية، فهذا أمر مهم، وبعد تنفيذ ذلك الخطوة انتقِل مباشرةً إلى الخطوة التالية.

قُم بعمل انتخابات رئاسية، وحثّ الشباب على المشاركة مع إبراز مدى أهمية مشاركتهم في هذه المناسبة السياسية الضخمة التي تكاد تكون تحديداً لمصيرهم، وعِدهم بأن صوتهم سيذهب مباشرة لمن يختارونه دون تدخل من أي جهة، ثم قُم بتزوير أصواتهم لصالحك، واحرص على أن ترسل لهم تأكيداً بأنك قمت بعملية التزوير هذه، ولكن بطريقة غير مباشرة.

ثانياً: بعد وصولك لمقعد الرئاسة، اضرب بالدستور عرض الحائط، وقُم بممارسة جميع الأفعال التي تتناقض مع مواد الدستور والقسم الذي أقسمته، وقُم على الفور بفرض سلطتك على الأجهزة الرقابية، ولا بأس أن تقوم بسجن رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، فهم يعلمون جيداً أن هذا هو المراقب الأهم للنظام الحاكم، وإذا استفاد أحدهم من حق المواطنة، وأبدى اعتراضه على تلك الممارسات في صورة احتجاج أو تظاهر، لا تتأخر في إلقاء القبض عليه والزج به في السجن، مع القيام ببعض عمليات التعذيب، مثل الكهربة في أماكن حساسة، أو الضرب المبرح، أو التعليق في سقف الزنزانة من القدمين، أو ما شابه ذلك، فسيادتكم أكثر منّي علماً وخبرةً بهذه الأمور.

ومن ثَم قُم بتصفية جميع الكيانات السياسية أياً كان توجهها أو نوعها، سواء كانت حراكات أو أحزاباً أو أي تجمع له نشاط سياسي، وقم بمحاصرتهم أينما ذهبوا، فلا تترك لهم قاعة مناسبات عامة أو داخل فندق للقاء بالشباب حتى لا يجد الشباب مأوى سياسياً آخر بديلاً عن الاصطدام معك، والذهاب إلى ملعبك أنت فقط، ولا تغفل عن المراكز الحقوقية التي تقوم بعلاج وتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، طاردها وأغلق مقراتها ومكاتبها واعتقل أصحابها، فهؤلاء سيقطعون عليك الطريق.

ثالثاً: قم بتأجير بعض الأبواق الإعلامية التي تلهث طوال الوقت وراء المال على حساب المهنية وهؤلاء ما أكثرهم، وقُم بتوفير منصات إعلامية مرئية ومسموعة ومقروءة لهم تسيطر عليها أنت، ولا يقولون إلا ما تقوله أنت، ولكي لا تدفع أي مبلغ من المال عليك أن تكون ذكياً في هذه النقطة، قم بهذا العمل بالشراكة والتقاسم مع رجال الأعمال ورؤوس الأموال المستفيدين من سلطتك بتسهيل مصالحهم وإعفائهم من دفع الضرائب والجمارك على المواد الخام المستوردة، ودفع فواتير الكهرباء والماء والغاز والاتصالات، مقابل القيام بهذا العمل الدنيء.

رابعاً: اللعب على وتر الوطنية، فهذه النقطة تحديداً لها أهمية كبيرة لدى المصريين، قُل دائماً للجميع إنك تسعى جاهداً للحفاظ على الوطن وسلامة أراضيه، ثم قُم أيضاً بممارسة فعل منافٍ لهذا الكلام، وإذا استطعت بيع جزء من إقليم الوطن أو التنازل عن جزيرة أو جزيرتين لدولة ما مقابل المال افعل ذلك، والمجتمع سينقسم إلى جزأين مؤيد ومعارض، وغالباً سيكون المعارضين أغلبهم من الشباب وحينها تستطيع جمع أكبر عدد من الشباب في زنزانة واحدة، وتفعل بهم ما شئت داخل مصنع الإرهاب الخاص بك.

خامساً، قم بتضييق إطار حرية الرأي والتعبير ما استطعت، فهذا أمر مهم في عملية استدراج الضحية إلى مصانع الإرهاب، وعليك أيضاً القيام بخنق أي متنفس للشباب، فإذا قاموا بالتظاهر سارع في القبض على أكبر عدد من المتظاهرين، واحجب جميع مواقع الإنترنت التي تعارضك، وقم بالقبض على الصحفيين، وزجّ بهم في مصنعك، ولا تنسَ مراقبة مواقع وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الخاصة بهم، وإذا اعترضت الدول الكبرى على هذه السياسات واعتبرتها انتهاكات مباشرة وعمدية لمواثيق حقوق الإنسان الدولية، لا تقلق، فقط اجمع أكبر كم من الأموال من بسطاء الشعب وتبادله مع تلك الدول في صورة نفقات سلاح أو طائرات رافال أو ميسترال حاملة المروحيات الشهيرة، وإذا تأثر الشعب سلبياً قل لهم إن هذه أدوات الحرب على الإرهاب الذي لم يعد محتملاً، وبهذا تكون أسكتّ العالم والشعب في آن واحد.

سادساً: احرص دائماً يا سيادة الرئيس على أن تتحدث في جميع خطاباتك بمناسبة أو بدون مناسبة عن الإرهاب، وخطره على العالم، وحتمية مواجهته ومحاربته وضرورة القضاء عليه، واقتلاع جذوره، فهذا الأمر مهم جداً حتى لا يستطيع أحد اتهامك بأنك ضالع في صناعة الإرهاب، وشريك رئيسي في نموه، وإذا كشفك بعض الناس قالوا عنك إنك بلحة، لا تلتفت كثيراً لهم، ولا تهتم بهم، ثم إن البلحة ليست شيئاً مكروهاً، وإنما هي ثمرة طيبة، يأكلها الكثير من البشر حول العالم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.