المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

مصر أُمكم وليست أمي

تم النشر: تم التحديث:

"لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر، إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي، كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء"، هكذا قال سيف الله المسلول خالد بن الوليد عند مفارقته للحياة، بعد حروب عديدة دفاعاً عن عقيدته التي كان هو نفسه يعاديها، وقاد جيش قريش ضد المسلمين في أُحُد، وانتصر عليهم وشارك في غزوة الخندق في صفوف جيوش الأحزاب.

خالد بن الوليد قبل الإسلام كان يصنع صنماً من التمر قبل أن ينام ليعبده في محرابه ليلاً، وفي الصباح يأكله، ولا يجد بعد الأكل من يحمده على نعمه، وبعد الإسلام كان يقود جيوش المسلمين خططاً وحرباً، هكذا هو الفرق بين مجتمعنا اليوم ومجتمعنا حينما كانت تحكمه العقيدة، فلن يقول لك أحد اليوم كن كخالد بن الوليد، يغني فيه الشعراء مدحاً لشجاعته في الدفاع عن وطنه وعقيدته وذكائه في إدارة الأمور الطارئة، وابتكار حلول للأزمات المستعصية، وإنما سيقولون لك كن ناجحاً كمشاهير التمثيل، تخرج على الناس كل عام في بداية رمضان بمسلسل جديد، تتقاضى الملايين وتزيد شهرتك وتُزيد معها انحدارنا الأخلاقي متلفظاً بكل ما هو نقيض ومنافٍ لأخلاقياتنا وعقيدتنا وسيقتدي بك الشباب؛ لأن النجاح في مجتمعنا بات نجاح الابتذال والسفه.

وإن كنت مسؤولاً في منصب ما، لن يقول لك أحد كن كعمر بن الخطاب حينما كان مسؤولاً، فكان يخشى أن يأتي طير من الأندلس ويهبط في بلاد العرب ولا يجد شيئاً يأكله، فيسأله الله: لماذا لم تزرع له حباً يا عمر؟ بل سيقولون لك كن حريصاً على تأمين مستقبل أولادك فقط، ارتشِ إن تطلب الأمر ذلك، واستغل منصبك في تسهيل الأمور أمام أبنائك، وخذ من غيرهم وأعطِ لهم، ولا تعطِ فرصة العمل في المؤسسة المسؤول عنها لأصحاب الكفاءة، وإنما أعطِها لأبنائك حتى وإن كانت في مجال غير مجالهم، فلا إشكالية إن كنت وزيراً للصحة وأعطيت منصباً لابنك المهندس في نفس المؤسسة، فجميعها شهادات جامعية.

وإن كنت حاكماً، لن يقول لك أحد كن كيوسف عليه السلام، واخرج من أزمة القحط بإحسان التدبير والتخطيط وترتيب الأولويات كما فعل نبي الله يوسف، فغالباً يكون الفساد من سوء تقدير الأزمات وإدارتها وليس من قلة الموارد، بل سيقولون لك افعل ما شئت وما تراه صحيحاً ولا تصغِ لأحد، وإن لم تُصِب في قراراتك اخرج على المحكومين، وقل لهم إننا نعاني عجز الموارد وهم سيصدقونك، بل وسيصفقون لك.

وإن كنت صغيراً في السن لن تجد من يقول لك لكي تكون ناجحاً لا بأس أن تكون كطه حسين، الذي أصاب الرمد عينيه وهو في الرابعة من عمره وأطفأ نور الحياة في وجهه، ولكنه ترك علماً أدبياً أضاء طريق أجيال لن تنتهي، وإنما ستجد من بين أهلك من يذهب بك إلى أحد البرامج التسابقية الغنائية ليُصعدك قمم المجد وأنت صغير، اعتقاداً منه أنك لكي تنجح لا بد أن تكون مشهوراً، فالمجد الآن يقاس بمعيار عدد من سمعوك وليس عدد من أفادتهم كلماتك، ولأن الناجحين في مجتمعنا اليوم يتقاضون مبالغ ضخمة، فخلد التاريخ اسم طه حسين.

كفاكم عبثاً بعقول أطفالنا وأجيالنا، ألم يكفِكم استقواء العالم علينا واستحلال أوطاننا ومقدساتنا ودمائنا، في القدس والعراق وسوريا واليمن، واستحلال كرامتنا ودهسها؟! ألم يكفِكم جثثنا المنثورة الفواحة بعطرها البريء على شواطئ البحار هرباً من جحيم أوطاننا؟! ألا تسمعون صراخ الزنازين كلما أتى إليها سجين جديد؟ حينما أتذكر أين كنا وأين نحن الآن ينفطر قلبي قهراً على حالنا، وأدعو الله أن ينجلي هذا الليل الملعون، ويطلع علينا فجر جديد يحمل معه شمس العقيدة التائهة بين ضباب الفضاء المغموم، فبتركنا أسس عقيدتنا اختلت موازين القوى واستدارت الاتجاهات وأصبحنا في ذيل الأمم، نجري وراء سراب، ولا نملك قوتنا ولا دواءنا، رافعين أيدينا استسلاماً وخافضين رؤوسنا إذلالاً أمام الغزاة، فتباً لأمة تركت عقيدتها فركعت أمام أعدائها بلا حرب، فإذا كانت هذه هي مصر التي تريدونها فهي أُمكم وليست أمي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.