المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

عاد ليبكي

تم النشر: تم التحديث:

بعد فترة قصيرة جداً من التراقص والتمايل في الشوارع والميادين على أنغام "تسلم الأيادي"، وإعادة تلك الكَرة أكثر من مرة، واحدة أثناء التصويت على الدستور، وأخرى أثناء إجراء الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الجنرال عبد الفتاح السيسي على منافسه الوحيد حمدين صباحي، ذهب كل منهم إلى مأواه، الجنرال في قصر الرئاسة، وحمدين صباحي في منزله، والدستور في سلة المهملات، وعاد الراقص ليبكي وحده من جديد، ولكنَّ عودته وبكاءه هذه المرة لم يجديا نفعاً، ولم يقضيا أمراً، ولم يصغِ لهما أحد، فبكاؤه أصبح بكاءً بلا دموع، بعد أن جفت دموعه على مدار أكثر من ستين عاماً يبكي أمام نفس السلطة التي رقص لها.

ليس شعباً جاهلاً بالسلطة، وإنما طيب ولا يجيد خُبثاً بالكلمة، لا يقف للسلطة على الضمانات بينما يكتفي فقط بالوعود، لم يكتفِ النظام الحاكم في مصر بأن يحكم شعباً مثل هذا، وإنما استغل طيبته ومد يده في جيوب كل الشعب المصري وسلب منه كل ما يملك من حقوقه الاقتصادية فيما يسمى بالدعم، وحقوقه الدستورية التي أقسم رأس النظام الحاكم على حمايته واحترامه وحقوقه في المواطنة التي يضمنها الدستور وينظمها القانون، وإذا غضب الشعب وحاول التعبير عن رفضه لانتهاكات ترتكب بحقه، ويشكو ما آلت إليه أوضاعه المعيشية والاقتصادية والسياسية يُظهر له النظام الحاكم عينيه الحمراوين على الفور، ويقوم بإبراز أدوات القمع على الطاولة، ويقول للشعب: اختَر لك الأداة التي تناسبك لكي تصمت، وكأن العلاقة بين الشعب والنظام في مصر تحولت من علاقة بين حاكم ومحكوم إلى علاقة بين عابد ومُستعبد، تسيطر عليها أجواء ذل وإهانة الحياة البدائية.

اليوم أدرك الشعب المصري تماماً أن آلة القمع واحدة، ولا تفرق بين توجهات أو انتماءات سياسية، وإنما هي تدور على الجميع بالترتيب حسب أولوية سائق الآلة، وكلما كانت الآلة أكثر انتشاراً تكون أكثر تأثيراً، فمن أهم الأدوات القمعية التي يستخدمها نظام الجنرال في القمع هي الإعلام المسرطن، بمنهج أمني غير مسبوق في مصر، بهدف تفتيت المجتمع لكتل صغيرة، حتى لا يتعاطفوا ويتضامنوا مع بعضهم البعض، ويصبحوا قوة تواجهه، فالفتافيت في مصر كثرت، وزاد معها نشاط السرطان الذي ينهش نسيج المجتمع المصري، فالإسلامي إرهابي، والليبرالي محظور، والفقير متمرد، والغني طماع، والعامل كسول، وما زالت أقواس الاستقطاب مفتوحة، هكذا يفتت الإعلام المبني من داخل النظام المجتمع المصري، ولم تجرؤ كل هذه الفئات على مطالبة النظام الحاكم بتأميم ومصادرة أموال هؤلاء الإعلاميين الذين يتقاضون ملايين الجنيهات المصرية شهرياً، بمنطق "أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ"، فهذه الفئة لم تترك مواطناً مصرياً واحداً إلا وتهكمت عليه وسلبته حقوقه.

وأخيراً انطلقت تلك الأفواه الموالية لنظام الجنرال مطالبةً الفقراء بالتقشف لتحمل الأزمات الاقتصادية الحادة التي انبثقت من إخفاقات الجنرال الحاكم المتتالية في غالبية الملفات الاقتصادية والسياسية، تطالبون شعباً يلصق صابونة الغسيل القديمة بالجديدة بالتقشف، وتناسيتم أنفسكم وأنتم تتقاضون الملايين، فكان من الأولى أن تكون دعوتكم لأنفسكم إذا كانت صادقة وخالصة للوطن وليست مجرد دعوة مسمومة ألبستموها رداء الوطنية ستاراً لإكمال جرائم السرقة، ونهب ما تبقى في جيب المواطن.

المواطن المصري البسيط اليوم يبكي أمام سلطة افتقدت أدنى أدوات النقد الذاتي، وتحولت من سلطة حكم مسؤولة عن إدارة كيان سياسي بحجم الدولة المصرية، إلى سلطة جباية استعبادية، تتبع منهج تقنين الإتاوات وجمعها بالقوة الأمنية من المحكومين تحت مسميات الضرائب العامة، وضريبة القيمة المضافة، وتخفيض قيمة الجنيه، وضرائب الخدمات وغيرها، دون أي نظر لتنمية اقتصادية حقيقية ترتقي بمستوى المواطن الاقتصادي، بتبرير أن التنمية تتأخر ثمارها، والسلطة في حاجة إلى جمع أموال في الوقت الراهن، فكان من الأولى أن تستخدم السلطة قوتها الأمنية في محاصرة الفساد بدلاً من محاصرة الفقراء، وكانت ستستطيع جمع أضعاف الأموال التي جمعتها من بسطاء المصريين، فلماذا لا يحارب النظام الحاكم الفساد إن لم يكن يرعاه؟!

على المواطن المصري البسيط اليوم أن يعلم أنه لا هناك شيء يسمى بالحريات الاقتصادية والقمع السياسي، فلا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد، فاستقرار الكيان السياسي بكافة توجهاته ومؤسساته وأطيافه يبدأ من استقرار الحياة السياسية وانضباطها، كما عليه التوقف عن البكاء وشكوى حاله، والعودة إلى تدابير العقل، والالتزام بقيود المنطق والعقلانية، فلم يكن لأحد في العالم أن يتوقع أنه سيرى الشعب الذي أبهر العالم في الميادين بثورة يناير/كانون الثاني المجيدة عاد اليوم ليبكي أمام سلطة تحكمه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.