المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

بالعدل نحيا

تم النشر: تم التحديث:

العدل ركن أساسي في تكوين المجتمعات وأداة للحفاظ على سلامة النظام الاجتماعي، وأيضاً أداة للترابط بين فئات المجتمع، العدل مفهوم يمتد عمقه من جذور المجتمع إلى أعلاه، ولا يمكن لأحد استبداله بأدوات أخرى لأداء نفس المهام، فالعدل يطالب بأن يأخذ كل ذي حق حقَّه دون جور على أحد؛ لتصفية النزاعات المجتمعية وتحويلها لمحبة ومودة وتماسك اجتماعي وتعاون على البناء والتنمية.

العدل لا يقتصر على العدل بين الفرد والدولة، وإنما العدل هو أن تكون عادلاً مع نفسك أولاً، ثم مع الجميع من حولك، بداية من أهل بيتك وأبنائك وزوجتك وأشقائك وجيرانك وزملائك، العدل أن تكون عادلاً حينما تُبدي رأيك في أمر ما، فإن وقع ظلم على أحد بموجب رأيك هذا فستكون ظالماً، العدل بذرة أنت مسؤول عن زراعتها في نفوس مَن ترعاهم بأفعالك قبل أقوالك؛ لترسيخ مفاهيم العدل كاملة في عقيدتهم.

العدالة والمساواة بجميع صورهما مفاهيم تنبثق من العدل، لها دلالات وأوجه متعددة، فالجميع يعلم أن "العدل أساس الملك"، وهذا يعني أن اندثار العدالة بهذا الشكل المخيف في أوطاننا يشير إلى أننا نسير في طريق الهلاك؛ لأن الملك في أوطاننا أصبح بلا أساس، وكل ما بُني على غير أساس فهو على باطل، وحتماً سيزول.

أوصت جميع الأديان السماوية بالعدل والعدالة، فمن القرآن الكريم قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ"، والعدالة طبَّقها رسول الله الكريم وأصحابه، وكان أشهر أصحابه تمسكاً بالعدل والعدالة الخليفة عمر بن الخطاب، وقص عنه العديد من القصص بهذا الصدد، ولكني اخترت من بينهم واقعة من مصر، وقعت أثناء حكم الوالي عمرو بن العاص لمصر، حينما أراد توسعة مسجد، وشملت التوسعة منزل قبطي مصري، وتم هدمه دون تعويض أو توفير مأوى آخر له، أراد الرجل القبطي شكوى حاله لعمرو بن العاص، لكنه خشي قوته وتردد كثيراً في قرار الذهاب له خوفاً من التصادم مع الحرس أن يضربوه، فنصحه الناس بالذهاب للخليفة عمر بن الخطاب في أرض الحجاز، وبعد أقل من شهرين -حسب الرواية التي قصت الواقعة- ذهب للخليفة عمر، فجده مقيلاً تحت شجرته الشهيرة، فخاف أن يوقظه وانتظره حتى استيقظ، وذهب له وشكا له حاله، فقال له ابن الخطاب:

لا تخف ستأخذ حقك كاملاً، وطلب منه أن يأتي بشيد ما ليكتب عليه لعمرو بن العاص، فأتى له القبطي بجمجمة حيوان، فكتب عليها جملة، وقال له أعطها للوالي ابن العاص، وهو سيفعل ما يقتضي الأمر، فتعجب القبطي من الجملة التي لم يفهمها بعد، ولكنه حملها وعاد بها إلى مصر، وظل يفكر كيف سيقابل ابن العاص، وهو لم يستطِع فعل ذلك من قبل، فانتظره عند باب المسجد وقت صلاة الجمعة وحينما رآه من بعيد صرخ بصوت عالٍ "يا أمير المؤمنين أحمل إليك رسالة من الخليفة عمر بن الخطاب"، فأمره ابن العاص أن يأتي إليه ويعطيه الرسالة، فأعطاه إياها، وحينما قرأها ظهرت على وجهه علامات توحي بالصدمة من محتوى الرسالة، فاستند على سور المسجد ورفع رأسه للقبطي وقال له: أتريد أن تأخذ حقك قبل الصلاة أم تمهلني لبعدها؟ فقال القبطي: سأنتظرك هنا لبعد الصلاة، وحينما عاد له ابن العاص بعد الانتهاء من الصلاة، قال له القبطي: الآن لم يعد يهمني رد حقي أكثر من أن أعرف سر هذه الجملة، فقص عليه ابن العاص سر الجملة، وقال له: كنا في الجاهلية تجار خيل وذهبنا أنا وابن الخطاب إلى بلاد الفرس لابن كسرى، ولكنه قام بخداعنا وأخذ منا الخيل دون أن يعطينا مالاً، فذهبنا إلى كسرى لنشكو له فعل ابنه، لكن المترجم قام بتغيير القصة خوفاً من ابن كسرى، وقال له:

إننا شعراء وذهبنا له لنلقي شعراً مقابل جزء من المال، ونحن لم نكن نعرف ما يقول، فأعطانا كسرى مالاً أكثر من حقنا بكثير، فعدنا إليه في اليوم التالي لنرد له ما زاد عن حقنا فأحضر مترجماً آخر وسألنا لماذا نرد إليه المال؟ فقال له المترجم حقيقة الأمر دون أن يغير في الأحداث شيئاً، وعلم كسرى أن ابنه قام بسرقتنا عن طريق الخديعة، فقال لنا: أنتم في ضيافتى الليلة، وغداً تذهبون في الفجر من باب آخر غير الذي دخلنا منه، وعندما خرجنا وجدنا ابن كسرى معلقاً عليه مشنوقاً إحقاقاً للعدل وجزاء من والده، فهذا هو سر الجملة التي أرسلها لي معك عمر ابن الخطاب، وقال فيها: "متى كان كسرى أولى منا بالعدل؟"، فصمت الرجل القبطي مصدوماً مما استمع إليه، وأخذه عمرو بن العاص بيده ووفر لها مأوى آخر بديلاً عما هدم، في إشارة واضحة للجميع بأن العدالة مفهوم مطلق يطبَّق بين جميع الناس ولا يقف فقط عند فئة بعينها أو أصحاب المعتقد الديني الواحد، بل هي تطبق كاملة بلا إفراط وتفريط في حقوق الناس، أو استقواء على أحد أو النظر إلى معتقدات الناس، فالأمم تزول وتهلك بالظلم وتدوم وتحيا بالعدل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.