المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

كيف يأتي الاستقرار للوطن؟

تم النشر: تم التحديث:

الاستقرار الكامل بكافة صوره ومفاهيمه بما يحمله في داخله من استقرار اقتصادي واجتماعي هو عمود فقري للأوطان والمجتمعات والكيانات السياسية باختلاف مسمياتها، سواء كانت دولة أو مملكة أو جمهورية أو غيرها، دون النظر إلى هوية تلك الكيانات أو معتقداتها أو توجهات أفرادها، فالاستقرار كمفهوم شامل هو ليس أداة يمتلكها أحد، وإنما هو حالة من الأريحية يشعر بها كل أفراد المجتمع، تنتج عن الإدارة السياسية الحكيمة والرشيدة.

إذاً فالاستقرار الكامل هو وليد الحياة السياسية المنضبطة القائمة على أُسس عقائدية وعلمية، وليس وليد الترسانات الأمنية أو أدوات الأمن السياسي التي تستخدمها بعض الدول، كآلة لتوفير الاستقرار الوهمي، فالاستقرار الحقيقي يظهر تلقائياً مع ظهور الترابط الوثيق والتناغم بين طبقات المجتمع من أسفل إلى أعلى والعكس باختلاف توجهاتهم ومعتقداتهم السياسية والدينية، فحينما يتوافر ذلك المشهد الاجتماعي يستطيع أي إنسان أن يشير إلى هذا المجتمع على أنه مجتمع مستقر.

الترابط الوطني والالتفاف المجتمعي حول هدف مشترك على بساط التنمية والبناء يتوقف على مدى قدرة النظام الحاكم على استيعاب الأزمات المتنوعة وكيفية إدارتها، وكذلك إدارة الصراعات داخل المجتمع بطرق قانونية تحترم حق المواطن في المواطنة، بما يتماهى مع الضوابط الدستورية دون اللجوء إلى الطرق المتغطرسة وأدوات العنف التي تزيد من حدة الصراع، فالاستماع إلى الأفكار والإنصات لحاجات المواطنين لا تحتاج للتغطرس أو العنف، وإنما فقط تحتاج لقليل من العقل ووضع طرق صحيحة لتلبية تلك الاحتياجات، ووضع آليات سلمية لفك الاشتباك بين فئات المجتمع (يساري ويميني، غني وفقير)؛ للحد من أعمال العنف الفئوية والأفكار المتطرفة، الذين يشعلون أي صراع حتى وإن نشب من فراغ، ويحولونه إلى صراع طبقي دموي، ويزداد تدريجياً حتى يصبح صراعاً بين غالبية الشعب والنظام الحاكم.

التجريف المتعمد للحياة السياسية في مصر التي تقوم به سلطة ما بعد 3 يوليو / تموز جريمة بحق الوطن وتهديد لأمنه واستقراره، فالاستقرار ليس معناه شل حركة المجتمع سياسياً، والهيمنة على مقدراته الاقتصادية، وإنما معناه حركة ثابتة ومتوازنة للمجتمع وقواه المركزية السياسية منها والاقتصادية، حتى لا يُفرض على المجتمع إحداث تغيير فُجائي وجذري في النظام السياسي؛ للخروج من حالة عدم الاستقرار والفوضوية القانونية والدستورية التي فرضتها السلطة على المجتمع بالقوة دون رضا غالبية المجتمع،

فدائماً التغيير الفُجائي غير المنظم يأتي بمزيد من الفوضى وعدم الاستقرار ويُمهد أرضاً خصبة للعنف، وهنا يجب ألا يتحمل أصحاب التغيير وحدهم مسؤولية ما يحدث، وإنما المسؤول الأول عما يحدث هي السلطة التي فرضت بسياساتها هذا الخيار على المجتمع دون إتاحة خيارات أخرى؛ لأن العنف السياسي أحد العوامل الهامة التي تتغذى عليها الفوضى.

الاستخدام الفعلي للقوة لمواجهة القوى السياسية في مصر هو ممارسة عنف سياسي متعمد من قِبل السلطة، في محاولة بائسة لإلحاق الأذى بالباحثين عن التغيير، حتى وإن استهدفت القوي ليخشى الضعيف ويبتعد عن طُرق التغيير السياسي، وانتقال السلطة من النظام الحاكم الحالي لآخر، وفقاً للأساليب الدستورية المتبعة، لمجرد أن هذا خطر على بقائه في سدة الحكم، وهذا مؤشر واضح على عدم الاستقرار داخل المجتمع،

وأيضاً يدل على أن النظام الحاكم يعنيه بقاؤه هو في الحكم، ولا يعنيه بقاء الوطن، فلا يمكن أن تتوافر فرص الاستقرار وسط هذا الكم من الضباب المستقبلي الناتج عن الصراع الطاحن بين النظام الحاكم والقوى المركزية غير المنتمية وغير الموالية له، فكل من يعتقد أن القوة هي الأداة المثالية لتوفير الاستقرار هو بالتأكيد مخطئ، وكذلك من يعتقد أن الديمقراطية هي الحل الأوحد لتوفير الاستقرار هو أيضاً مخطئ، بينما المؤسساتية فقط هي الأداة الأمثل لتوفير الاستقرار السياسي.

والمؤسساتية بمعنى أن يكون القرار صناعة مؤسسات وليس أشخاصاً، ويجوز أن تكون تلك المؤسسات نظامية ومعارضة، حكومية وغير حكومية، فالحكومية ممثلة في الوزارات ومؤسسة الرئاسة وغيرها، وغير حكومية ممثلة في أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية وغيرها، وكذلك مؤسسات تشريعية يطبق بينها قانون الفصل بين السلطات واحترام سلطة القانون دون شخصنة القرار والقضايا، وما يترتب عليها، ودون تحامل واحدة على أخرى، أو التماهي مع مؤسسة على حساب الأخرى.

فكلما اقترب المجتمع من نظام المؤسساتية فهو يقترب أيضاً من الاستقرار الكامل والدائم حتى وإن حدثت تغيرات في النظام السياسي للمجتمع، صغيرة كانت أو كبيرة، ولن يؤثر تطور تلك التغيرات على عمل المؤسسات داخل الدولة، حتى وإن وصل تطورها إلى حد الإطاحة بالنظام الحاكم كاملاً، فهذا لا يؤثر على الاستقرار؛ لأن المؤسسات مستمرة في عملها، ولا يعتبر هذا عدم استقرار داخل المجتمع، وإنما هو حالة من حرية الرأي والتعبير، ولا تؤثر مباشرة على استقرار الوطن في ظل نظام المؤسساتية، فجميع أنظمة الحكم زائلة، وإنما الوطن وشعبه ومؤسساته هم الباقون.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.