المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

ماذا عن الذكرى السادسة لملحمة الغضب؟

تم النشر: تم التحديث:

يوم الجمعة 28 يناير/كانون الثاني 2011، اليوم الرابع لثورة يناير المجيدة، كان يوماً عادياً في بدايته يشبه سابقه من الأيام قبل أن يحوله المصريون ليوم غضب من منتصفه، عقب صلاة الجمعة مباشرة.

قرر المصريين أن يدونوا هذا التاريخ بدمائهم في صحف التاريخ، حينما أعلنوا إيمانهم بأن الحرية لا تقل أهمية عن لقمة العيش. وعند هذه النقطة تحديداً، تكمن قوة الثورة وخطورتها على أي نظام حاكم. فعندما خرج بسطاء المصريين من ظلام الدكتاتورية الدستورية والعبودية الاختيارية التي وضعهم فيها نظام المخلوع مبارك، حيث كان الدستور المصري لا يسمح بالمنافسة على رئاسة الجمهورية أو ترشح أحد أمام مبارك، بينما كان يكتفي فقط بإجراء استفتاء شعبي على بقاء الرئيس، لم يأخذ اهتماماً أكثر من خبر متكرر في نشرة أخبار الظهيرة قبل الفيلم وبعده وفي منتصفه.

فالتحم الشعب مع القوى الثورية في غالبية محافظات ومدن مصر وحولوا ثورة الإنترنت إلى عاصفة ثورية عصفت بنظام حاكم ظل يثبّت جذوره أكثر من 30 عاماً في ساعات معدودة، وجعلت قواته تهرول أمامها؛ هرباً من جحيم ثأر الثورة لضحايا نظام المخلوع، ونهب مقدرات الوطن والتخضيع بالقوة وترهيب الرصاص، ودراما الذل والإهانة السلطوية التي عاشها المصريون تحت سطوة نظام مبارك ومارستها عليهم أجهزته الأمنية.

لا شك، على الإطلاق، في أن هذا اليوم نقطة فاصلة في تاريخ مصر الحديث؛ لأنها لم تكن لقطة دراماتيكية لانتصار وهمي كسابقها من اللقطات، إنما هي لقطة حُفرت مباشرة في أذهان العالم قبل ذهن التاريخ؛ لأنه انتصار حقيقي، والتاريخ الحقيقي لا يكتبه إلا المنتصرون. والشعب المصري في هذا اليوم فرض إرادته على الحاكم وهو وسط ترساناته الأمنية، وأجبر العالم على احترامه والإنصات له باهتمام، عبر ملحمة نضال تشبه نضال الديك في الفجر حينما يصيح منادياً بصوت عالٍ على النور ليخرج ويضيء الحياة بعد ظلمات الليل الكاحلة.

ولأن الشعب المصري هو مصدر الأمان لنفسه وقادر على حماية مقدراته بذاته دون الاعتماد على ترسانات أَمنية ضخمة وآليات حديثة في الشدائد، قام بتأمين نفسه بنفسه بعدما هربت قوات الأمن من الشوارع، وأطلقت سراح المساجين الجنائيين والمسجلين خطر للشوارع؛ لإشاعة حالة من الفوضى وتوفير فرص جيدة لأعمال السرقة والنهب، وقد تمت بالفعل وكادت تطول السرقات التراث المصري حينما هاجم بعض اللصوص المتحف المصري وحاولوا سرقته لولا تصدي شباب الثورة لهم وتجاهل حظر التجوال الذي فرضته القوات المسلحة وشكّلوا دائرة أمنية كبيرة؛ لحماية المتحف ومحتوياته من حوله ومن داخله حتى وصلت قوات الجيش وتم تسليمه لهم بمحتوياته كاملة، وكأنهم يوجهون رسالة للعالم في كيفية الاحتجاج على الفساد لا لاستغلال الاحتجاج للإفساد، عكس ما يحاول النظام الحالي وصم الثوار بالمفسدين.

اليوم وبعد 6 أعوام مضت على ملحمة الغضب، جميع القوى الثورية ترتقب لحظة التحام بسطاء الشعب معها مرة ثانية لإعادة الكرَّة ضد نظام الجنرال الحالي؛ لتُزيح الظلام مرة أخرى وتسطع شمس الحرية من جديد، ولكنهم متغافلون عن أسباب الالتحام الأولى وانضمام غالبية القوى الوطنية إليهم في جمعة الغضب. ومن أهم هذه الأسباب، أن الشعب رأى أملاً جديداً فيهم حينها عندما وقفوا جميعاً على بساط واحد ويشيرون إلى هدف مشترك أسمى من الانتماءات السياسية والحزبية ومن المطالب الفئوية والطبقية وأولى بالاهتمام.

فجميع القوى اليوم تراهن على الكتل غير المؤدلجة؛ لتتحالف معها لإحداث تغيير في الوضع الراهن وتحريك الوضع السياسي الذي أصابته السلطة الحالية بشلل كامل، وهذا لن يحدث في ظل الاستقطاب الحاد والبائس الذي تعرض له المجتمع المصري في الأعوام الثلاثة الأخيرة، ومحاولات تشويه ثورة يناير ورموزها المستمرة، وهذا الكم من الحواجز النفسية التي صنعها النظام الحاكم بين الشعب والثورة، وتصوير مفهوم الثورة للشعب بأنها حالة من الفوضى فقط وليست عملاً جماعياً ومطالب الغالبية بمناخ أفضل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.