المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

لا بديل عن الحرية سوى الحرية

تم النشر: تم التحديث:

منذ بداية العمل بالنظام الجمهوري في مصر عام 1953، وبعد تنصيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية (محمد نجيب)، اشتعل صراع طاحن على السلطة يهدد ببقاء واستقرار مصر.

وصل هذا الصراع بمصر إلى محطات كثيرة مأساوية، أولاها عزل محمد نجيب ووضعه تحت الإقامة الجبرية بعد خلاف كبير مع مجلس قيادة الثورة حينها على عودة الجيش لثكناته وإخراجه من الحياة السياسية، وبعدها تولى جمال عبد الناصر الحكم باستفتاء شعبي، وبدأ في تأسيس دولة عسكرية، الأمر الذي أشعل الصراع بينه وبين معارضيه، ولا شك على الإطلاق أن أبرزهم في هذا الوقت هم جماعة الإخوان المسلمين، ووصل الأمر آنذاك إلى تصفية بعض قيادات الجماعة الإسلامية أمنياً وجسدياً، بعد محاولة اغتيال فاشلة لعبد الناصر، نفت الجماعة حينها اشتراكها فيها.

لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ بل أدت سياسات عبد الناصر المتهورة إلى نكسة 1967، التي قرر بعدها الاستقالة الفورية من منصبه السياسي رئيساً للجمهورية، ولكنه تراجع عن القرار بعد تظاهرات مؤيدة لبقائه في منصبه، وواصل عمله رئيساً حتى توفي وتم تنصيب محمد أنور السادات رئيساً للجمهورية؛ لإكمال الصراع مع الدولة نفسها التي أسسها عبد الناصر،

ولكن الصراع كان قد هدأ نسبياً بسبب الظروف التي كانت تمر بها مصر في هذا الوقت، وإعلاء هدف واحد للجميع، هو الانتصار على العدو الصهيوني المحتل، واستعادة الأرض المحتلة، واستمر الوضع على ذلك حتى حرب أكتوبر/تشرين الأول العظيم، وتحقيق انتصار مستحق للمصريين على العدو، واستعادة سيناء، باستثناء جزء منها عاد باتفاقية كامب ديفيد المشؤومة، التي أشعلت الصراع من جديد بين السلطة والمعارضة.

وكانت المعارضة هذه المرة تضم بعض الأشخاص من عائلة عبد الناصر، مؤسس الدولة العسكرية، بالإضافة إلى بعض المفكرين والمثقفين الليبراليين واليساريين، ومعهم على الجبهة نفسها الجماعة الإسلامية، الخصم الأول للدولة العسكرية، جميعهم كانوا رافضين للاتفاقية شكلاً ومضموناً، ولكن السادات لم يسمع لأحد، وتصدى لهم بالقوة، وأصدر أوامره بحملات أمنية موسعة لإلقاء القبض على جميع المعارضين البارزين،

وهذا هو الأمر الذي جعل الصراع يسلك طريق القوة، وبدأ كل منهم في التفكير الانتقامي من العدو الصهيوني ومن السادات أيضاً، وتم تأسيس تنظيم "ثورة مصر"، الذي اشترك فيه خالد جمال عبد الناصر مع ضابط المخابرات المصري محمود نور الدين وعدد من المعارضين الآخرين قاموا بتنفيذ عملية اغتيال لثلاثة من مسؤولي السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وبعدها مباشرة غادر خالد مصر بأسرته إلى لندن، ومنها إلى يوغوسلافيا، وبقي الآخرون في مصر؛ ليكملوا الصراع الذي انتهى باغتيال السادات نفسه، خلال عرض عسكري كان يحضره،

وتولى المخلوع مبارك حكم مصر، وانتهج النهج العسكري نفسه، ولم ينظر إلى الأمام خطوة واحدة، واستمر التعتيم الإعلامي على كل الأحداث وكل الانتهاكات التي كان يرتكبها نظام مبارك بحق الشعب، ولكن المعارضة في عصر مبارك تطورت وتوسعت حتى امتدت لجميع أرجاء مصر، وتنوعت في توجهاتها وأيديولوجياتها وأهدافها، وتنامى حضورها ونشاطها في الشارع المصري بداية من عام 1995؛ حيث تأسس الكثير من الحركات والأحزاب السياسية المعارضة، بداية من حركة "الاشتراكيون الثوريون"، أعقبتها حركة "كفاية" الليبرالية عام 200،4 التي كان هدفها الأساسي عزل مبارك من منصبه وعدم توريث الحكم، وحركة شباب "6 أبريل" أيضاً، صاحبة القيادة الليبرالية التي تأسست عام 2008،

عقب إضرابات العمال بمدينة المحلة الكبرى، واستمر نشاطها في الشارع المصري حتى اليوم، أعقبتها الجمعية الوطنية للتغيير بقيادة الدكتور محمد البرادعي، واشترك فيها عدد كبير من الأحزاب والحركات السياسية بتوجهات مختلفة، منها الإسلامية والليبرالية والاشتراكية، وأيضاً كان هدفها تغيير نظام الحكم، واستطاعت نشر أفكارها في أماكن كثيرة في مصر، مستغلة الثورة التكنولوجية التي حدثت في العالم بعد إطلاقها موقعاً إلكترونياً لجمع توقيعات المصريين، أعقبتها مباشرة حركة "كلنا خالد سعيد" التي تأسست عام 2010 بعد مقتل الشاب خالد سعيد،

أيقونة ثورة يناير المجيدة، وهي التي دعت لثورة الخامس والعشرين من يناير، بعد تعنت نظام مبارك في محاكمة المتورطين في مقتل خالد سعيد، ومحاولة التعتيم على القضية.

نشبت ثورة يناير ولم تهدأ نارها إلا بخلع مبارك وإخضاعه للمحاكمة، في كل هذه الأحداث باختلاف أوجه أنظمة الحكم نرى أن الصراع نابع من الإيمان بالحق، والرغبة في امتلاكه، وما يشعله هو التنافر والتناقض بين التظاهر وسلوك النظام الحاكم، فجميعها كانت أنظمة سلطوية تظاهرت بالعدل والديمقراطية، وجميعها ظلمت واحتكرت السلطة، وارتكبت جرائم بحق الشعب وعتمت عليها.

واليوم يحاول النظام الحاكم، بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي، غلق صندوق الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها الدولة العسكرية باتباع السياسات القديمة وأساليبها الأمنية نفسها والمعتادة بالقمع والاعتقال واستخدام القوة المفرطة مع المعارضة، وتصفية مراكز القوى باختلاف انتماءاتها بقوانين جائرة يتم تفصيلها خصيصاً لخدمة الأمن السياسي على حساب أمن الوطن واستقراره، وهو يعلم تماماً أنها محاولة بائسة، وحتماً ستفشل؛ لأن السياسات العسكرية القديمة لم تعد تصلح، في ظل التطور التكنولوجي، ولدينا أقرب مثال ثورة يناير المجيدة، فقد خرجت من رحم التواصل الاجتماعي، ولم تخرج من وسائل الإعلام بكل أشكاله.

محاولة النظام الحاكم هذه المرة تشبه جميع المحاولات السابقة لأنظمة الحكم في الهدف، ولكنها أشرس وأعنف؛ لأن الصراع هذه المرة صراع على البقاء، فالنظام يعلم أن سقوطه هذه المرة يعني نهايته تماماً، ولذلك فهو يتعامل بكل قوة مع أي صوت يعلو عليه ويخالف رأيه، ولم يدرك إطلاقاً أن ممارساته تلك ودفاعه المستميت للبقاء في الحكم شغلته عن النقطة الأهم في إدارة الدولة، وهي الجبهة الاقتصادية التي انهارت، وبدأت المعادلة تسلك مساراً آخر، فالأصوات التي تتعالى اليوم في الشارع المصري ليست أصوات السياسيين، وإنما أصوات الفقراء، وهذا مؤشر خطير جداً على أي دولة ويهدد بقاءها ككيان سياسي؛ لأن غضب الفقير لهب لا يفرق بين أخضر ويابس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.