المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

طردنا القيم فأخذت معها الهوية

تم النشر: تم التحديث:

لكل مجتمع في العالم قيم يعتبرها حجر الأساس الذي ينبثق منه التوافق المجتمعي بكافة صوره ومفاهيمه، والقيم هي أولى أدوات ضبط المجتمع وتنظيمه، كما تستخدمها الدول المتقدمة كآلة لتمهيد أرض خصبة صالحة للحياة النقية والآمنة، وحينما يفقد أي مجتمع في العالم قِيمَه يفقد معها هويته وتوازنه، ويعيش في صراع نفسي سرطاني تقوده نفوس أصبحت بلا ضوابط.

لا بد لكل إنسان من قيم تكون هي المرشد الأول لسلوكه، وهي القاضي الذي يحاسبه على كل فعل ولفظ، وأداة تقويم أخلاقية فعَّالة ونشطة تلازمه كظلِّه، وترسم له الإطار الصحيح الذي يحافظ على النظام الاجتماعي وتمنعه من الانحراف عن أُسس المجتمع الذي يعيش فيه، وتبقى عاملاً مهماً في حياته يساعده على بناء إنسان مستقيم ومطور دائم لمجتمعه، وانعدام القيم لدى أي إنسان يصنع منه مجرماً بحق المجتمع تدريجياً؛ لأنه يواجه رغباته بدون أدوات، وحتماً ستنتصر عليه رغباته المُشيطنة، وتجعله يسير دون هوية في سرداب الشهوات المظلم، ولدينا أمثلة عديدة في الوقت الراهن.

فجميعنا يرى قطاعاً كبيراً من الشباب العربي أصحاب الهوية الإسلامية يمارسون التحرش الجنسي بدون أي حرج في الشوارع والطرقات، في تناقض حاد بين الفعل والعقيدة، وهذا لأن انعدام القيم لديهم جعل عقيدتهم لديهم قولاً فقط وليست قولاً وفعلاً، وعلى سبيل المثال وليس الحصر لدينا أمام المحاكم العديد من القضايا لمسؤولين كبار تم ضبطهم على خلفية وقائع رشوة ضخمة وسرقة مال عام وإهدار مال عام، وغيرها من التهم، فكل هذه التهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بافتقاد القيم، وهذه هي النتائج الطبيعية المنتظرة من إنسان بلا هوية، فانعدام القيم لديه يجعله مفترساً يسير وسط قطيع من الوحوش.

لم تأتِ الأديان للأرض لتضع شروطاً وطرقا للعبادة فقط، بل هي أتت أولاً لترسيخ القيم النبيلة والسامية التي تجعل من الأرض بيئة صالحة لحياة كل مَن فيها، القوي والضعيف، الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، الأب وابنه، الطالب ومعلمه، الجار وجاره، الجنس والجنس الآخر، وأيضاً الإنسان وجميع الكائنات التي تعيش على الأرض، إذاً الأديان ولدت قيماً تعمل جاهدةً لتنظيم العلاقات بين كل من هم في الأرض، وتنميتها وتقوية جذورها فرض عين على كل من يعيشون على هذه الأرض؛ لوقف الفساد والإفساد فيها.

تجاهل الحكومات المتعاقبة على مصر في العقود الأخيرة من الزمن تنمية القيم ورعايتها يعد اشتراكاً في هدمها، وهذا جرم لا يغتفر؛ لأن الحكومة هي المسؤول الأول عن زراعة جذور القيم ورعايتها على النهج الذي يخدم أمن المجتمع وحماية النظام الاجتماعي، وإعداد طرق صحيحة للتعامل بين الفرد والدولة، والدولة والفرد، في داخلها وخارجها؛ للحد من الأعمال العنيفة التي تؤجج نيران التطرف الذي يستعد الآن ليحرق العالم في يوم ما.

فالقيم تحمل بداخلها مبادئ العدالة والمساواة، وهما الركنان المسؤولان عن حماية أي مجتمع من أعمال العنف والانتقام، فحينما يعتمد المجتمع على الحق والعدل في تكوينه فهو يؤسس لمجتمع طويل الأجل، وحينما يفتقدهما أي مجتمع فهو يحسم مصيره بالزوال في أقرب أجل، ولهذا فالقيم ترتبط ارتباطاً قوياً بالوطن والوطنية، ومدى استعداد الفرد للدفاع عن وطنه ضد أي خطر يهدده، فإذا كانت القيم المزروعة بداخل كل إنسان حقيقية وليست وهمية لفعل ما تُمليه عليه قِيمُه دون توجيه أو إجبار من أحد، ولدينا مثال من مصر، فلو سألت جميع المصريين هل تحبون الجيش؟ ستكون إجابتهم جميعاً بنعم، قبل أن تكمل سؤالك، ولكن عندما تقول لهم هل تقبلون الانضمام الآن لصفوف الجيش؟ لن تجد إجابة نعم إلا من القليل، إن وُجدت!

ليست القوانين وحدها هي الضوابط اللازمة لضبط العالم وتنظيمه، إنما هناك قانون يسمو فوق كل القوانين والدساتير يسمى قانون "الإنسانية"، وهذا القانون لن يولد أبداً من رَحِم التشريعات الدستورية أو الجلسات البرلمانية أو انعقادات الأمم المتحدة المفتوحة، هو فقط ينبعث من روح القيم الأخلاقية التي يتربى عليها الأجيال، فإذا سادت القيم الإنسانية عروش الحكم، لن تجدوا مقتولين في سوريا، أو مظلومين في مصر، أو مهجرين في اليمن، أو محتلين في فلسطين، أو مغلوبين على أمرهم في العراق، وأيضاً لن تجدوا مقهورين في شتى بقاع الأرض؛ لأن القيم تقدم ضمانات الحياة الآمنة للجميع دون تمييز متعلق بدين أو بعرق أو بلون أو بجنسية، كما تُميز بينهم الرغبات المطلقة التي تؤدي إلى انحدار المجتمعات أخلاقياً واجتماعياً، ومِن ثَمَّ هلاكها نهائياً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.