المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

ثورة في صراع مع النصر والهزيمة

تم النشر: تم التحديث:

ثورة يناير/كانون الثاني فكرة اختمرت وكأنها تفاعل كيميائي يسير على هواه دون تَدَخُّلٍ إلى منتهاه، و"تلاقح الأفكار" التي تذكرنا باقتسام خلايا الجنين بذاتيتها إلى أن يكتمل وتدب فيه الحياة، ولكن ما حدث هو العكس الصحيح تناحرت الخلايا وتشابكت الأفكار بشتى الأساليب الساخرة والمسفهة من بعضها حتى وضعت الثورة في معادلة صفرية لا تنتج سوى فجوات خلاف.

وهذا بسبب ما عشناه على مر ثلاثين عاماً توقف فيها كل شيء ينمي الإبداع الفكري والعقائدي ما صدّر عقماً فكرياً لجميع فئات الشعب باختلاف الكميات، ولأننا قد انتصرنا في زمن قياسي على دولة حكمت بالقبضة الأمنية لمدة ثلاثين عاماً تساهلنا فيما بعد الانتصار ولم ندرك أن الانتصار هو لحظة تحقيق الحلم كاملاً.

وتمادينا في سذاجتنا الاستسهالية التي تريد لكل شيء تفسيراً سحرياً لا يعترف بالقواعد والمعادلات، ولأننا عاطفيون نكره إعمال العقل في أمور الحياة، ونفضل جموح العواطف المتحررة من كل قيود القوانين، فنفضل بالطبع أن نختصر القواعد حتى وإن كانت هي الطريق الوحيد لتحقيق حلم الملايين.

لكل هذا الجميع يدفع الثمن الآن، وإن كان من منا ما زال يكابر، فكل من شارك في ثورة يناير يتعرض لنفس الفاتورة، ومجبر على دفعها لمن قامت عليهم الثورة.

لا أنكر أن هناك اختلافاً في الأخطاء وموازينها، ولكن ماذا يفيد الميزان إذا العدل كله غائباً؟! الجميع يتعرض للتصفية الجسدية والأمنية حتى من لم يشارك في ثورة يناير ولم يرَ الميادين والتزم بيته هو الآخر عليه جزء من هذه الفاتورة يدفعه من قوته، لا يشترط أن تكون الفاتورة قمعاً وبطشاً وعبثاً بحقوقه في المواطنة، ولكن يدفعه معاناة في الحياة، ومأساة في نومه، وتعباً في راحته، فالجميع ساذج، والجميع أخطأ، إذاً على الجميع أن يدفع!

هذا هو شعار دولة الفساد، والجميع الآن يتساءل: متى سنعود للميدان صوتاً واحداً وهدفاً واحداً وشعاراً واحداً؟ هذا السؤال ومضمونه من كثرة التساؤل أصبح تساؤلاً شاذاً ومكروهاً من قِبل الكثير، حتى وإن اختصره في لفظ واحد (الاصطفاف)، أصبح هذا المصطلح يسبب للبعض فقدان أمل حين يسمعه، مع أنه يعلم أن لا بديل غيره ولا حلم يتحقق من دونه.

ولكن ماذا قدمت القوى السياسية للشعب منذ يناير 2011 وحتى الآن لكي تطالب الشعب بالتضامن معها؟! على القوى السياسية أن تسرع في إنجاز شيء ما يحسن موقفها أمام الشعب، وتنهي خلافاتها بأقصى سرعة؛ لكي يسامحها الشعب الذي يدفع ثمناً غالياً الآن نتيجة أخطائهم، وكذلك أمام أنصارهم، وأمام شباب الثورة الذي ضحى بالغالي والنفيس لأجل حلمه الذي يراه طائراً محلقاً فوق سماء القاهرة كل صباح ومساء، ينتظر وجودهم في الميدان؛ ليهبط يختبئ ويحتمي بهم من طلقات الجنرال الغاشم التي لا تفرق بين الأفكار أو الأيديولوجيات أو التوجهات، كما تفرق القوى السياسية بينها.

عندما يجتمع الظلم والفساد والاستبداد والقمع والبطش والعبث جميعاً في شعار واحد تحمله دولة الفاشية لا فرق بين الأفكار والأيديولوجيات والتوجهات، لا بد أن يكون هناك هدف أسمى منها جميعاً يجتمع عليه الجميع، ومن بعد الانتصار يتم فرز أرشيف الماضي بعناية، وتفادي الأخطاء؛ لكي لا ندفع الثمن مرة ثانية كما ندفعه الآن.

رسالتي للجميع: لا يجهض حلم وراءه رجال، ولا رجال يبكون في منتصف المعارك، بل يعيدون ترتيب صفوفهم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.