المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

احذروا الكريم طالما أهنتموه

تم النشر: تم التحديث:

يستمر النظام الحاكم في مسلسل التطاول على الشعب المصري علناً واستباحة كرامته، منذ أعلن رأس النظام الجنرال عبد الفتاح السيسي في أبريل/نيسان الماضي خلال لقائه بالرئيس الفرنسي، أن معايير حقوق الإنسان الأوروبية لا يمكن أن تطبق في مصر؛ نظراً لوجود عناصر إرهابية بها، وأنها معرضة لضربات الإرهاب الأسود في أي وقت.

ولم يلتفت إطلاقاً لوجود الإرهاب في جميع دول العالم، ويوجه ضرباته للإنسانية وليس لأنظمة حاكمة، وأنها ليست أزمة وليدة، وإنما هي موجودة ويعرفها العالم منذ قرون عدة، ففي عام واحد ضرب الإرهاب الغادر دولاً عدة، منها مصر، والمملكة العربية السعودية، وفرنساً وأميركا، ولم يجرؤ أي من هذه الأنظمة على التطاول على شعوبهم، والتقليل من حقوقهم الإنسانية، مقارنةً بشعوب أخرى، ووصفهم بأنهم على درجة أقل منهم في الوعي، كما فعل النظام الحاكم في مصر، وهذا لأنهم يدركون أن عداء الإرهاب مع الإنسانية، وليس معهم كحُكام.

ليس هذا فقط، وإنما يمارس النظام الحاكم بوضوح احتكار الوطنية واقتصارها على داعميه فقط، وتجريد كل من يعترض على سياساته الفاشلة والفاسدة من عباءة الوطنية، وإلصاق تهم الخيانة والعمالة به، واتهامه علناً بالتآمر على الوطن، والطعن المباشر في انتمائه لوطنه، وكأن النظام الحاكم يمثل تراب الوطن، ولا يمثل مؤسسات الدولة وإداراتها.

حتى جاءت قضية تيران وصنافير، وأثبتت للجميع مِن الذي ينتمي لوطنه، ومن الذي فرط في تراب الوطن، واستباح دماء شهداء سالت لأجل مصرية هذا التراب وحريته، فجميع من اتهمهم بالخيانة والعمالة لقوى خارجية زوراً هم أول من تصدوا له في الشوارع والميادين، ورفضوا التنازل عن جزء أصيل من إقليم الوطن مقابل حفنة من الريالات، وحكومته هي التي تطاردهم بأجهزتها الأمنية والقضائية.. فمَن الخائن؟!

مع هذه الأفعال بدأت تتعالى أصوات الشعب المصري رافضة لتلك الممارسات، ولكن النظام الحاكم أيضاً يرد بنفس الممارسات، فأخيراً انتفض النظام الحاكم بكل أذرعه لسخرية إياد مدني، الوزير السعودي السابق، من الجنرال وثلاجته الخاوية، بينما لم نسمع لهم صوتاً واحداً رداً على والدة الطالب الإيطالي ريجيني حينما قالت "قتلوه كما لو كان مصرياً"، مشيرة بحديثها إلى أن المصريين لم يرتقوا بعد ليُعاملوا داخل وطنهم مثل ما يُعامل الإيطاليون داخل وطنهم، وكأن القدر كان يرتب تدابيره لنظام الجنرال ليقول لهم: أهنتم شعبكم فأهانكم العالم، صمتم على تطاول الشعوب عليه، فتطاول عليكم العالم.

يستخدم النظام الحاكم بعض الأبواق الإعلامية صنعها بنفسه ومن داخله لإحداث تغيير وهمي في الواقع الذي يعيشه المصريون، وفي الوقت نفسه يقومون بتقديس النظام الحاكم، ووصفه بأنه خط الحماية للوطن، وأن سقوطه يعني دمار الوطن وانهياره، ولكن هذه الأبواق فشلت؛ لأنها تتحدث دائماً بلسان السلطة، والسلطة لا تمتلك أدوات للنقد الذاتي أو للحوار، وإنما تمتلك أدوات للقمع والإخضاع الجماعي فقط، وتمارس استعلاء على الشعب من خلال فصل المنتمين لها، وجعلهم دولة مستقلة لشأنها، بعيداً عن باقي الشعب المصري.

فالمؤسسة العسكرية أصبحت تفصل جميع خدماتها عن الخدمات الأخرى، وتنشئ مستشفياتها ومدارسها ونواديها ومساكنها ومصايفها وغيرها من الخدمات بعيداً عن الجميع، حتى وصل الأمر لإنشاء مجموعة من محملات المواد الغذائية لا يدخلها غيرهم، ولا تبيع إلا لهم في تناقض حاد بين التظاهر والسلوك فيما يتبناه النظام الحاكم إعلامياً بسعيه لتوحيد المصريين، تحت راية واحدة، وما يفعله من فصل متعمد بين فئات المجتمع، وإعلاء لفصيل واحد على باقي الفصائل، مع أنه نظام قائم منذ بداية حكمه على الجباية داخلياً وخارجياً، فداخلياً قرارات فرض الضرائب تتوالى، وقيمة مضافة تُفرض، ورفع للدعم مستمر، فضلاً عن جمع الفكة من المصريين، وفي النهاية يتهمونه بالكسل ورفض العمل، وخارجياً دعم مادي من حلفائه في الخليج بمليارات الدولارات، التي تسببت أيضاً في استقواء شعوب الخليج على الشعب المصري، وتطاول بعضهم على المصريين بمعايرة واضحة في تصريحات كثيرة.

كل هذه الإهانات وأكثر، وما زال النظام الحاكم يطالب الشعب المصري بقبول امتهان كرامته وكرامة وطنه، دون تقديم أي ضمانات لعدم تكرارها، بل الواقع يحدث الجميع مؤكداً تكرارها في القريب العاجل، والشعب ما زال كريماً حتى هذه اللحظة مع النظام الحاكم، ولم يخرج عليه، ويقول كلمته أملاً في أن يتعلم النظام الحالي الدرس من ثورة يناير/كانون الثاني المجيدة، وينظر إلى مصير نظام المخلوع مبارك، ويتجنب عواقب المواجهة في الميادين، فإن خرج الشعب لا تلوموا إلا أنفسكم، وعندما يقول الشعب كلمته لا بد أن يُنصت الجميع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.