المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود أبوالفتوح Headshot

أنا مصري.. فمتى ستقتلونني؟!

تم النشر: تم التحديث:

من كثرة العبث حولي اعتدت تلك الأفعال وبدأت العبث، فأنا أعلم تماماً أنني في خطر ولا أبالي ولا أتوقعه، ولكني أتوقع أقصاه وهو الموت برصاصةِ فرد أمن تابع لأجهزة الدولة الأمنية أو فرد أمن سياسي؛ أو داخل مكان احتجاز؛ أو في أثناء مشاهدة مباراة كرة قدم؛ أو في أثناء علاجي بأحد المستشفيات التابعة للدولة؛ أو في أثناء سفري بأحد قطارات السكة الحديدية؛ أو في أثناء وقوفي بأحد الكمائن الشرطية؛ أو في إحدى نقاط حرس الحدود؛ أو وأنا أستقلُّ أمواج البحر هرباً من هذا الجحيم أو ما غير ذلك، فجميعها تؤدي إلى نهاية واحدة "قبر وقهر وتعازٍ"، ولكني سأتحدث في هذا المقال عن حالات قتلي المحتملة من الأجهزة الأمنية فقط.

كان شريكي في الوطن، محمد فتحي المنشاوي، البالغ من العمر 32 عاماً، يلعب مع طفلتيه في شرفة منزله بالطابق الثالث يوم الـ12 من يونيو/حزيران 2014 وإذا برصاصة استقرت في صدره إثر اشتباكات حدثت بين متظاهرين والأمن بالقرب من منزله ألقت به على الأرض قتيلاً، وحتى اليوم لم نعرف من القاتل بعد تأكيد الطب الشرعي أنها رصاصة قناص وقد أُطلقت من مسافة بعيدة تتعدى الـ350 متراً.

أما عن شريكي الآخر في الوطن أيضاً، فهو من حماة الوطن كمجند بقطاع الأمن المركزي في شمال سيناء ويحمل اسم أحمد حسين محمد خليل، ويبلغ من العمر 20 عاماً، فقد تعدى عليه ضابط برتبة نقيب، يبلغ من العمر 26 عاماً، بالضرب المبرح، وأصابه بجروح خطيرة تُوفي على أثرها في صباح الخامس من سبتمبر/أيلول 2014، وتم نقل جثمانه إلى المستشفى العسكري؛ لتشريح الجثة تمهيداً لدفنها بمسقط رأسه في قرية عمريت مركز أبو حماد بالشرقية.

الشريك الثالث فارقنا إثر التعذيب، ويدعى سيد عيد تهامي، وقد توفي داخل قسم شرطة روض الفرج بتاريخ 2 فبراير/شباط 2015 نتيجة التعذيب حسب شهادة محتجز، حيث قال إنه اتصل بأولاد عم القتيل وقال لهم: "أنقذوا سيد، الضباط بيضربوه بكعوب الطبنجات في رأسه، وهو خلاص بيموت". وعلى تلك الشهادة، تقدم شقيق المجني عليه ببلاغ للنيابة العامة اتهم فيه ضباطاً من قوة قسم شرطة روض الفرج بتعذيب شقيقه حتى الموت.

شريك الوطن الرابع، فارق الحياة بقيء دموي بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 على أثر التعذيب داخل قسم شرطة شبين القناطر في قضية ليس له علاقة بها، وبعد وفاته بأيام تم القبض على السارق الحقيقي المدعو "عزت"! وبالاشتراك مع الطب الشرعي، تم التواطؤ في تأخير إصدار تقرير الطب الشرعي، ليفلت الجاني من عقابه.

شريك الوطن الخامس "محمد"، وفاته كانت غامضة؛ فبتاريخ 23 يناير/كانون الثاني 2016 أصدر حقوقيون بياناً يفيد بوفاة معتقل داخل مقر أمن الدولة في لاظوغلي بمنطقة وسط البلد على أثر التعذيب داخل المقر ذاته.

أما شريك الوطن السادس، فكان جنائياً ويدعى محمد عزت خليل، ويبلغ من العمر 37 عاماً، وقد توفي بالتعذيب داخل قسم شرطة شبين القناطر بالقليوبية.

هذه السيناريوهات المختلفة في وقائعها وأشخاصها وأعمارها في وطني، ولم أجد أحداً في المنصات الفضائية الخاصة أو العامة يدافع عنهم؛ بل العكس هو الذي حدث، في غالبية الوقائع تحولت تلك المنصات الإعلامية التي تتظاهر بالمهنية لمنصات دفاع عن المتهمين في ارتكاب هذه الجرائم التي لم أستطع حصرها.

فهناك حالات قُدّرت بالآلاف من قِبل الأجهزة والمنظمات المعنية بهذا الأمر، ولكن تلك الأبواق الإعلامية التي صنعها النظام الحاكم من داخله لتغتالنا معنوياً ونفسياً بالأمر المباشر والإملاء الأمني المُعد مسبقاً- تقوم بدورها التضليلي الآن وتحترفه وكأنها تتلذذ به، وهذا ما استدعاني لأقول إنه نظام سلطوي سادي يتلذذ بعذاب المصريين والمصريات.

فتبريراتهم دائماً أن هذه الحالات حالات فردية لا تُعمّم ولا تتحمل الحكومة مسؤوليتها؛ بل الشعب هو الذي يجب عليه التحمل؛ لأن أجهزة الأمن تعاني ضغوطاً متعددة وتفقد كل يوم ضحايا جدداً من أفرادها، وكأنهم يقولون لي إنه من لم يُقتل بالإرهاب الغادر فسوف يُقتل برصاص الأمن المضغوط.

ولأن الدولة قررت اختصامي فقد أعلنت استسلامي؛ فهم أدرى مني بالمعارك وأنا لا أجيد الحرب مع الأموات، فهم قد ماتوا عندما ماتت إنسانيتهم وقتلوا ضمائرهم بأيديهم.

وبما أننا جميعاً مصريون فنحن شركاء في الوطن وشركاء في الحياة وأيضاً شركاء في الموت، وأنا لم أعد أنزعج من مصيري هذا؛ لأنني اعتدته. فكل يوم يودع أحد منا قتيله، ولا أعترض على مصيرنا هذا ولا أعتبره كابوساً بالنسبة لي كما يتصور البعض.

ولكني أخاطب الإنسانية أولاً قبل الدولة بأن يُخبروني قبل موتي؛ لأمتص قهر أمي في بدني المسموم فهي لم تعد تحتمل قهراً، وأودع أحبابي وأعدهم في الحين نفسه بلقاء آخر، فلا أريد أن يحزن أحد على فراقي.

وأقوم بجولة مصافحة لجيراني؛ فمنهم من لا يتحرك من مكانه بسبب سوء ظروفه الصحية وأتمنى ألا أُتعبهم في الذهاب لأهلي لتأدية واجب التعازي، فأستطيع أن أستقبل التعازي بنفسي، فما أجمل أن أكون إنساناً رحل دون أن يسبب متاعب للبشر!

فلا أتمنى أن يكرهني أحد، فجميعهم كان الحب في قلبهم لي أقرب من الكره. كذلك لو تعطوني وقتاً لأرسل خطاباً لمن سبقوني أبشِّرهم فيه بذهابي لهم؛ حتى لا يفاجأوا بي، فمنهم الكثير أحباء لقلبي، وأخشى عليهم الصدمة وهم فى باطن الأرض. وأخيراً، أستأذنهم أن يتركوا لي قبراً في منتصفهم ليحاوِطني دفء الجميع. رسالتي للإنسانية: "أريدكم أن تخبروني.. متى ستقتلوني؟!".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.