المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

محمود عبدالعدل إسماعيل Headshot

رحلتي إلى الجحيم "3"| في ضوء الحقيقة

تم النشر: تم التحديث:

هذه الرحلة لم يمسّها أي طيف من خيال الكاتب..

"ورحمة أمي مفيش حد قعد على الكرسي ده ما اتكلمش".. و"ما اتكلمش"، أي لم يعترف زوراً بما يجبرونه على قوله.

صرخ بها أحدهم في وجهي غاضباً، وألقاها إلقاء الواثق المتعجرف فينعكس صداها على قلبك بقوةٍ تجعل نبضك مسموعاً.. خوفاً ورهباً.

وحقاً عندما تحط أول قدمٍ لك في مبنى الجحيم تلفح وجهك رياحُ استسلامٍ، وإذا فُتحت لك إحدى غرفِه تشعر بجملته هذه كأنها لافتة معلقة على بوابة الجحيم، صادقة في ظاهرها، لكنها كاذبة كل الكذب في واقعها، فالذي يأذن بها أو يرفعها هو الله وفقط، والله هو الذي يربط على القلب كما ربط على قلبي وقلب المئات غيري، وأصاب قدره أبرياء آخرين فأعطوا للشياطين ما يريدون كذباً مبيناً، وسجلوا لهم -إجباراً- اعترافاتهم الكاذبة صوتاً وصورةً كما نشاهدها، لكن صدقاً في وقتها قد أتت هذه الكلمة حظها على روحي من التهديد والإرباك.

بهذه الجملة وذاك المشهد والمشاهد القادمة سأُنير لذهنك قناديل في ظلام جحيمهم؛ كي يسبح خيالك معي في ضوء الحقيقة للماضي والحاضر والمستقبل، وأنبئك ببعض أسرارهم، فتظهر لك عقيدة المجرمين جليةً وكيف يفكرون ومدى إجرامهم.

"2"

"اعتصمت كام يوم في التحرير في يناير؟"، صدمني به سائلاً، وصدمته بالإجابة: "كل أيام الاعتصام"، جاوبتها كردة فعلٍ لا إرادية، امتلكتني الكلمة ولم أمتلكها، فما زالت كل ذرات جسدي تتشبع شرفاً بالمشاركة في "ثورة يناير"، لم أفكر، ولعلي لو فكرت لأدركت ما أدركته آنفاً بعد انتهاء الرحلة أنهم ما أدخلوني جحيمهم إلا لسببين لا ثالث لهما: فالأول انتقاماً من "الثورة" منذ اندلاع شرارتها الأولى في يناير/كانون الثاني حتى بلوغ ذروة محنتها في "رابعة" وما بعدها، وقد كان السؤال الذي يليه مباشرة عن الاعتصام في رابعة!

كنت أشعر منهم بالانتقام من الثورة وهم يعذبونني ويقول أحدهم ساخراً ومعللاً: "انت حد كبير عندنا يا محمود بتاع ثورات".

أما السبب الثاني لقطعهم تذكرة لي في الجحيم.. فثمة تفجير في فلاة حدث في محافظتي، وكان جزء من التحقيق معي عن هذا التفجير، أكثر ما رأيته في كل الأسئلة التي تتعلق بهذا الحدث هو رعبهم من الحدث، وقد كان -على ما أذكر- أنه أول حدث من هذا القبيل في محافظتي وقتها، قالها لي بصراحة جلية في السؤال عن التفجير عندما كنت أنفي وأقسم، وأقول له: "أنا بعترف لك إني بنزل مظاهرات وبنظّم مظاهرات"، فيرد: "إحنا المسيرات والمظاهرات ما تهزناش بشيء"!

ويكأن وجه تذكرة الجحيم -خاصتي- كان انتقاماً، وظهرها كان رعباً.

"3"

جولة جديدة مع إبليس مستورد!

في خضم التعذيب وبلوغ مبلغه، ومبارزات التحقيق، وسلاحهم فيها كان التعذيب والوعيد ودرعي العقلي كان الخوف من أن أظلم نفسي فأعترف كذباً، وأسقط حينها في المجهول، ثم الأسوأ أن يجبروني على أن أحجز لأبرياء آخرين -من اختيارهم- تذاكر في الجحيم فأحمل مضطراً أوزاراً على وزري.

أدور معهم في فلك الزمن، ومن ثمَّ نعود سوياً إلى نقطة صفر: "بردو مش عايز تعترف؟!"، حتى أعلن صافرة انتهاء هذا الشوط إبليسُهم بقوله: "إحنا كده عملنا اللي علينا معاك، فيه واحد جايلك من مصر مخصوص هتشوف بقى معاه لحد "520"، إنت يا دوب لسه في 490"، لا أنكر أن الرهبة من القادم أصابتني في مقتل، وغدت هذه الجملة ككرة شوكٍ تدحرجت داخل روحي ففتكت بها، حاولت أن أجمّع قواي ثانيةً، واستغاثت روحي بالله ليعينها على ما هو آتٍ.

أتى الشيطان الآخر بعد برهةٍ من الوقت، وبدأ التحقيق معي، كان يبدو من طريقة استجوابه ولهجته أنه من خارج محافظتي فعلاً، بدأ التحقيق بهدوء حتى إن وصلنا إلى عقدة القصة وطلبِ الاعتراف، أتت العاصفة، وأخذني سريعاً إلى أسفل دركات الجحيم ودرجاته، فجحيمهم كذلك درجات للروح في سماء الصبر والشرف والثورة.

"4"

قال لي هذا الشيطان المستورد: "عادي، هنموتك ونرميك، وحتى مش هنترحم عليك".. أتذكرها بدقة كما كتبتها، أخرجها من فمه بسلاسةٍ ويسر، فلا تتخيل أنه نطقها بدوي إرهابٍ أو بهمسِ تهديد، بل كانت هادئة على لسانه كسهولتها إلى إجرامه!

أما وقعها عليَّ فعكس ما تظن، وخلاف ما أشعر به الآن، فسهم إرهابه الذي صوبه إلى روحي وعقلي كي يهفو إلى النجاة فأعترف كذباً بما يتهمونني به، لم يصب هدفه بتاتاً! وذلك لأن عقلي رأى أن التهديد حروفه تقطر كذباً فقد كان في أواخر عام 2014 ولم تسجل حالة تصفية جسدية واحدة لمعتقلٍ أو قُل لمختفِ قسرياً، وأما روحي فكانت تغوص في جحيم تعذيبٍ وتسْكرُ ألماً ومعاناةً فباتت ترنو أن تلتقطها الملائكة بالموت من جحيم الطغيان إلى راحة السماوات ورحمة الله.

حقا لقد أضحى الموت حينها نجاة لا هلاك.

لكن المؤلم أن هذه الجملة بات يتردد صداها في حاضري مع كل حالة تصفية جسدية لمعتقلٍ أسمع عنها كأني أرى المشهد كاملاً، وأتذوق إجرام الكلمة من جديد، وألعن طغيانهم، فهل أسوأ في درجات الكفر والطغيان من تعذيب أسيرٍ ثم قتله؟!

"5"

تصل الروح لقمة مِحْنتها في ليل التعذيب ثم تتعافى مع مطلع الفجر؛ حيث يذهب المجرمون وتسكن الصرخات في هذا المكان المظلم، ويبدأ رفيقي في غرفتي هذا الشاب الصغير الذي لم يتجاوز حينها العشرين، يحكي بصوته الفرح ويضحك بروحه الطفولية ويروي بقلبه الغض أحلامه، وكم يتمنى أن ينتهي الجحيم ويذهب إلى السجن ليقابل أصدقاءه ورفقائه ويتبادلوا الضحك والسمر، فتبتسم روحي، وأرى الله في قلبه!

ثم يضحك قلبي بملء بهجته عندما ينام رفيقي الثاني الشاب الذي يكبرني بسنين، وسبقنا إلى الجحيم بأيام، ولاقى من جحيم التعذيب الكثير، وأسمع صوت "شخيره" العالي عندما يغلبه النوم؛ فيغلبني الضحك الساخر، وأشعر أن هذا الصوت هو أبلغ ردٍ استهزائي واستعلائي من روحه القوية على تعذيبهم وجحيمهم ومحاولتهم البائسة لثنيه عن الثورة.

ثُم أخيراً أنتظر بشوقٍ الشروق كل يومٍ؛ كي أسمع نداء الله في موسيقى العصافير على الشجرة الهادئة المجاورة لغرفتنا، فأتذوق الحرية، وأنغمس في راحتها وسعادتها، ولو لبرهةٍ قصيرة.

هذا كان كهفنا: ثلاثةٌ.. رابعهم العصافير!

"6"

انتهت جولات التعذيب معي وانطفأ مستعر اللهب على جسدي، ولم يتبقَّ غير بعض العذاب المعنوي من التهديدات والأسئلة المكررة، انتهى كل هذا، وها قد حطت الرحلة، وأتى أجل الألم، ومفارقة الجحيم.

عدت إلى الحياة من جديد، أخذني أحدهم ممن كانوا يعذبونني -عرفته من صوته-في سيارة، وما إن ركبت أنا ورفيقي الصغير وانطلقت السيارة حتى قال لي هذا المجرم متهكماً أو متشفياً: "إيه اللي رماك على الهم يا دكتور".

أُلجم لساني ولم أستطِع النطق غير ببعض هزات رأسي يمنةً ويسرةً في ارتباكٍ واضحٍ وتوقفٍ بيَّن لمصنع الكلمات بداخلي أن يُخرج جواباً، وكأنه سؤال ملائكي على لسان شيطانٍ يطهر القلب من كل شوائب الذات وبعض شعاراتها المزيفة بعد مغتسل تعذيبٍ لها، في حدوده سؤال بسيط سطحي، ولكن في أعمق أعماقه وخضم لحظته الدقيقة هذه، هو أكثر سؤال فلسفي صادق وغير مراوغ.

ما الذي أخذني أو أخذنا في هذا المنحى المجِهد، وأسكن روحي في هذه المنازل المهترئة؟!

لماذا عارضنا قبل يناير؟ ولماذا ثُرنا في يناير؟ ولماذا لم نستسلم بعد الانقلاب؟ ولِمَ ننفض بعد رابعة؟! لماذا نبضت أفئدتنا بالثورة؟!

الإجابات كثيرة والمعاني أكثر، لكن إجابتي كانت "الصمت" الظاهر، وداخلي كان الجواب الأبلغ والأصدق الذي اشتكى إلى الله وحملت صداه الروح في رحب السماوات تردد: "هذا ما فطرتنا عليه يا رب".

عدنا بالسيارة إلى " البندر" وهواء النجاة كان يضرب في جنباتي فتقشعر روحي وتدمع عيني ألماً وفرحاً، وأتذكر هذه السيارة في أول الرحلة وهواءها الذي كان يشع لهباً ورعباً فتختلط المشاعر على روحي فيردد قلبي: "الحمد لله.. الحمد لله"، ويشد على يدي رفيقي الصغير ويضغط بقوة عليها كالذي يكتم صرخة الفرحة فيرسل موجاتها بيده إلى قلبي.

دخلنا إلى البندر، وأجلسونا في غرفة وأزال صغيري هذا الغمامة من على عينيه، وأشار إليَّ أن أزيلها فلقد أتى "تاريخ الانتهاء" لها، فأحاول أن أزيلها فلا أستطيع ارتباكاً وذهولاً، فيزيلها عني وأرى النور!

أنزلونا إلى "الزنزانة" التي كانت مليئة بثوار آخرين مأسورين، فألبسنا الله ثوب الأهل والصحبة، وأغدق علينا الضحكات التي نست رسمتها وجوهنا، والطعام الذي لم نرَ منه إلا كفافاً طوال المكث في الجحيم، نمت مطمئناً في ليلتي لتصبح الرحلة كلمات وقصصاً في ذاكرتي!

الخاتمة:

راسلني بعد المقال الثاني في رحلتي أحد أصدقائي ممن ذهبوا إلى مثل تلك الرحلة، فحدثني أن قصة رحلتي شيقة ومرضية لمن لم يذهبوا إليها، أما من ارتحلها فهذا كلام سطحي جداً، وآخر علَّق عليها أنها رومانسية!

فأخبرته أن مَن رأى الرحلة من كل جوانبها سيعلم أن هذا أعمق ما فيها، ومحطات رحلتي سيجد أنه مر بمثلها، ولكن بأشكال أخرى وعناوين مختلفة شكلاً لا مضموناً.

كان من السهل عليَّ أن أظهر المعاناة وأجعل حبري يقطر ألماً وأغوص وأغوص في جنبات التعذيب وفقط، لكن وقتها سأقص ما هو معروف وأخفي ما هو مجهول، وسأخون نفسي، وكذلك مَن مر برحلتي وتبادلنا قصصنا معاً، وما لاقته أرواحنا وعجز قلمي حقاً عن أن يصف ما أحست به من جنب الله في قلب الجحيم، وظهر لنا جلياً أن التعذيب المجرد لم يمثل كل جوانب الرحلة، ولعلي أتعرض -في قالبٍ لغويٍ أرحب- لرحلة آخرين حكوا لي ما لم ترَه عيني ولم يخطر على روحي وقتها، فكل رحلتي لم تبلغ معشار ما ذاقوه، وخرجوا ثابتين أقوياء، باتت الرحلة لي ولهم كأنها "كابوس" استيقظنا منه جميعاً وكأنه لم يكن، ولم يتبقَّ في الروح منه إلا شوق القلوب للقصاص وانتصار الثورة.

دوَّنت هذه الرحلة وثمن تدوينها غالٍ في ظل ما نحن فيه:

لعقلك.. كي يدرك أن نور الثورة المرتقب باهظ الثمن، وأبطالها الحقيقيين هم الذين دفعوا ثمنها ألماً ودماً، ليسوا أهل الشعارات والساخرين الخائفين الذين هدموا جدارها.

ولروحك.. حتى يسكنها الإيمان بالله والثورة ويتخلل لطف الله جوانبها، وتدرك أن جحيم أعدائها زائلٌ يفنى بفناء لحظته، وخير شاهدٍ لذلك أنني بينما أكتب لك أحاول أن أتذكر ما لاقيته في رحلتي!

ولقلبك.. حتى يشتد عمود القصاص به، فكما ضاعت أرواح وحيوات عندما تآكل عمدان القصاص من بنيان الثورة فانقض البنيان كله علينا.

بدأتُ رحلتي بعنوان: رحلتي إلى "الجحيم"، وأنهيها بعنوان رحلة ربما أكتبها آنفاً بعد انتصار الثورة، بإذن ربها: "ويشفي صدور قومٍ ثائرين".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.